مواهب وابداعات للأستاذ: مومني عبد العالي

مرحبا بجميع القراء الأوفياء

السبت، 26 يونيو، 2010

الوحدة الموضوعية....والوحدة العضوية في القصيدة العربية.


الشّعر العربي في العصر الجاهلي يختلف عن غيره في العصور اللاحقة بطريقته الخاصة في الإنشاد، فلا نجد ما يشبهه في وجوه كثيرة، منها تعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة، واعتمادها على وحدة البيت في الغالب، ووحدة البحر أو الوزن، وحرف الرّوي الموحد، والقافية الموحدة، يتدرج الشّاعر إلى هذه الموضوعات في القصيدة بما يسمونه حاليا << بحسن التخلص>>، إذ ينتقل من موضوع إلى آخر، وفق سنن ألّفها الشّعراء وقتئذٍ، فهم لا يحيدون عنها، لأنّها طريقهم الخاصة في الإنشاد. والوصف في القصيدة نراه دائماً حاضراً، يأتي في ثناياها دائماً، فالشّاعر يعيش في بيئة صحراويّة تُصاب عادة بالقحط والجفاف، أهلها في الغالب يتصفون بالحل والترحال طلباً للماء الكلإ،فتقع عيناه على تلك المشاهد،فيصفها وصفاً جميلاً رائعاً،تطمئن إليه القلوب،ويتجاوب مع روح القارئ ووجدانه.

ومن عادة الشّعراء في العصر الجاهلي، وسننهم في الإنشاد، أنْ تجد الشاعر يقرض الشّعر عن السّليقة والفطرة بطريقة معيّنة، درج عليها جميع الشّعراء، وخاصة شعراء المعلّقات. فالشاعر ينتقل من موضوع لآخر حسب ما يطرأ على نفسيته من نوازع وهواجس، نجد هذا خاصة عند الشاعر الفحل من أمثال امرئ القيس، والأعشى، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، ولبيد بن ربيعة وغيرهم كثير ممن درج على سنن العرب في الإنشاد ونظم القصائد .

وأريد في هذه العجالة أن أضرب مثلاً بشاعر واحد من أكبر شعراء العصر الجاهلي وصدر الإسلام هو شاعر من شعراء المعلقات : لبيد بن ربيعة، الذي حافظ على الموروث القديم على مدى مائة وخمسين سنة قبل البعثة، وهي فترة العصر الجاهلي، فإذا وقفنا على معلقة هذا الشاعر الفحل، نرى أن قصيدته هذه تشمل على عدّة موضوعات، فهو بذلك ينظم معلّقته على سنن الشعراء القدماء الذين سبقوه في الإنشاد، ومن هذه السنن أن يستهل الشاعر قصيدته بالوقوف على الأطلال، والبكاء عليها، أو بالغزل، فأنظر إلى مطلع قصيدته التي يذكر فيها الطلل ويسائله :

عـفت الدّيـار محـلـها فمقامــهـا بمنـى تأبّـد غـولـها فـرجـامُـهـا

فـمدافع الرِّيَّان عُـرِّيَ رَسْـمـهَـا خَلقاً كما ضمن الوحي سِلامُهـا

دِمْــنٌ تـجرَّم بعد عَـهْــدٍ أنيسهـا حِجَـجٌ خَلَوْنَ حلالُها وحـرامُهـا

وَجَلاَ السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنَّها زُبُـرٌ تُجـِــدّ مــُتونـها أقلامُهـــا

أوْ رَجْـعُ وَاشـِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُها كِفـفا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنّ وِشامُـهـــا

فَـوَقَفتُ أَسْألُها،وكيفَ سُؤالنـــا؟ صُـمّا خَـوَالِــدَ ما يَبِينُ كلامُهــا

بعد وصف الطلل، يتخلص الشّاعر لبيد بطريقة فنيّة إلى موضوع جديد، فيتعرض إلى حبيبته ( نوَّار ) التي هجرته، وانقطع الوصال بينهما، فتنقلتْ من مكان إلى مكان آخر، وهي في الحقيقة لا تحفل ولا تهتم بتعلقه بها، وبعده لها ، فهو يقول عنها :

بَلْ ما تذكَّرمَنْ نُوار،وقد نأتْ وتقـطَّـعَـتْ أسبـــابُـها و رمامُـهـا

مَريّـَة حلَّـتْ بِفــَيْدَ وَجاورتْ أهل الحجاز،فأيـن منك مرامُتها؟

فهاهي نوّار أضحت بعيدة كل البعد، تتردد بين موضعين : فيد، والحجاز، وبينهما وبين بلاد الشاعر بعد، فكيف يتسيّر له طلبها والوصول إليها كما فعل بعده في العصر الأموي جميل بن معمر مع بثينة! فهو يأس كل اليأس من الوصول إليها، لذلك عرَّج على موضوع آخر لعلّه في ذلك قد يجد بعض التأسي والصّبر والجلد، فيصف الناقة التي اعتادت على الأسفار، فهو يقول:

بـطليحٍ أسـفـارٍ تركـنَ بقــيَّـةً منها،فأحـنقَ صُلبــها وسَنَامُـهــا

وإذا تغالى لحمُها وتحسّــرتْ وتقطّعـــت بـعـد الكـلال خدامُهــا

فلها هبابٌ في الزمام كأنّهـــا صهباءُ خفَّ مع الجنوب جهامُها

فالشّاعر يصف النّاقة وصفاً جميلاً رائعاً، فيذكر كل صغيرة وكبيرة عنها، فهي قويّة وسريعة، ورغم ذلك فهي لا توصله إلى حبيبته ( نوّار) التي أضحت بعيدة عنه، كما قال عن ذلك الشاعر الأندلسي ابن زيدون في ولاَّدة:

أضحى التناني بديلا من تدانينـا ونـاب عـن طيب لقيانا تجافينــا

بنتم وبنا، فما ابتلت جــوانحنــا شوقــا إليكم ولا جفت مآقيـنـــــا

نكاد حــين تنـاجيكم ضمائرنــا يقضي علينا الأسى لولا تأســينا

فبماذا يتأسى الشاعر يا ترى؟ فقد وجد في وصف الأتان ما يعوّض هذا الفراغ الرّهيب الذي يعيشه بعيداً عن (نوار)، فهذه الأتان قد حملت ولداً من هذا الفحل الذي هو شديد الغيرة عليها، فابتعد عن القطيع، وراح يسقوها بعنفٍ شديدٍ، وبخاصة في الأماكن الصعبة، وهو في الوقت تفسه ينظر من المرتفعات، ملتفةً يميناً ويساراً، خوفاً عليها من الصيادين الذين يستترون بالأدغال الكثيفة، ليرُوا كل طريدة من وراءها، فلا تحسُّ به ولا بوجوده حتى يصطادها بهذه الطريقة، لأنّها شديدة اليقظة، تهرب لكل حركة تحس بها، إذ يقول لبيد في وصف الأتان :

أو مُلمع وسقت لأحقب لاحه طرد الفحول،وضربها وكدامُها

يعلو بها حدب الإكام مستْحَجٌ قد رابه عصيانُــــها ووحامُهـــا

حتى إذا سلخــا جمـادى ستة جزْآ،فطال صيــامــهُ وصيامُـهـا

رجعا بأمرهما إلى ذي مرّة حصد،ونجْـعُ صـريمة إبرامُهــا

فالأتان يخاف من البقرة الوحشيّة، فهو يخشى أن تخونه مع فحل آخر، فهي شديدة العصيان له من جهة، وشديد التوحم من جهة أخرى، فكيف لا يرتاب من هذا الأمر؟ ونوار قد تفعل به ما تفعل، وهذه غريزة الحيوان، وقد تكون موجودة في الإنسان بسبب الغيرة، ألم تؤد الغيرة في كثير من الأحيان إلى الدمار والهلاك بين الأحبّة، وخاصة إذا كانت هذه الغيرة مفرطة، لا حدود لها، مثل قصة (عطيل) للشاعر الإنجليزي المشهور (شكسبير).

وصف الشاعر البقرة الوحشيّة بعد وصف الأتان الذي حملت منه، وكان مصيرها أشدُّ هلاكاً وقسوةً، وأكثر إيلاماً وحزناً، بعدما وضعت مولودها، لقد تركته، اتكالاً على الفحل، وراحت ترعى مع بقية القطيع كما وصفه امرئ القيس في معلقته وهو مع أصدقاءه أثناء خروجه للصيد :

فعنَّ لنا سربٌ كأن نعاجه عذارى دوارٍ في مُلاءٍ مُذيل

فهاهي السباع سارعت على غفلةٍ منها، فأكلت وليدها، فجعلتْ تعول وتصيح، لشدّة الرّوع، فلا تجد له أثراً، بل إنها عثرت على بقاياه، فها هي الذئاب تقتنصه وتأكله، فهذا هو قانون الغاب الذي يعيشه الحيوان كما يعيشه الإنسان، فكيف لا يخش لبيد من موت ولده أو مقتله إذا وصلته (نوار)وقبلت بالزواج منه، أو ليس هو القائل عن هذا الحال :

أفـتـلـك!أمْ وحشـيـة مســبوعـة خذلت، وهادية الصـوار قوامـها

خنساء،ضيّعت الفرير،فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامُها

علهت تردّد في نهــاء صُعائـد سبــعـاً تــؤامـاً كامـــلاً أيّــامـهـا

ثم يعود الشاعر إلى ذكر ( نوار ) من جديد، والتي تقمصها في شكل حيوان، فهاهو يعود إلى وعيه وعقله وإنسانيته، فيقول مجدِّداً عن ( نوار ):

أو لم تكن تدري نوار بأنني وصّــال عقــد حبائـل،جـذامُـهـا

ترّاكُ أمكنةٍ،إذا لم أرضـهـا أو يعتلق بعض النفوس حمامُهـا

وهكذا نجد في القصيدة العربية في العصر الجاهلي عدّة موضوعات، فينتقل الشاعر من غرض لآخر، وهذه سنة من سنن شعراء العرب جميعاً في هذا العصر. ولعلّ هذا الأمر يعود في الأساس إلى ظروف البيئة المتقلبة التي عاش فيها الشاعر العربي، من حرِّ النّهار صيفاً، وبرودة الليل شتاءً، وصعوبة العيش في الصحراء القاحلة التي عادة تصاب بالجفاف والقحط، وهي التي قال عنها زهير بن أبي سلمى حين مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لإيقافها الحرب بين قبيلتي عبس وذبيان في حرب<< داحس و الغبراء>>عن طريق دفع ديات القتلى، فنشرا السلم، فأشاد بهما زهير وبقومهم لهذا الصنيع قائلاً:

إذا السّنة الشهباء بالناس أجحفـتْ ونال كرام المال في الجحرة الأكل

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطـيناً بهــا حتى إذا نبـــت البقْـــلُ

على مكثريهم رزق مــن يعتريهمُ وعند المقلِّيــن السّمــاحــة والبــذلُ

وفي صدر الإسلام اشتغل أغلب الناس بالقرآن ومنهم الشعراء المخضرمين مثل الخنساء، ولبيد، أمّا حسان بن ثابث، وكعب بن مالك، عبد الله بن رواحة وغيرهم، فقد حملوا لواء الشعر للدفاع عن الإسلام والمسلمين وخاصة نبيّهم الذي تعرض للأذى من كفار قريش وشعرائهم، فكان لزاماً على شعراء الإسلام أن يردوا الضربات بأعنف منها، ألم يقل حسان بن ثابت في دفاعه عن الرسول الكريم ــ صلى الله عليه وسلّم ــ :

لنا في كــلّ يـــوم مـن معـدٍّ سبـــاب أو قـتــال أو هجـاءُ

فنحكم بالقوافي من هجـانـا ونضرب حين تختلط الدّماء

ألا أبلغ أبا سفــيــان عنّــي فأنت مجـوّف نخــبٌ هـــواءُ

بأن سيوفنا تركتـك عـبــداً وعبد الدار سادتهـــا الإمــاءُ

هجوت محمداً فأجبت عنه وعـنـــد الله في ذاك الجـزاءُ

فمن يهجو رسول الله منكم ويمـدحــه وينصــره ســواءُ

فالوصف في صدر الإسلام وفي عصر بني أميّة تناول موضوعات جديدة فرضتها الظروف الجديدة مثل وصف القتال وحصار المدن وفتحها، إلاّ أن الشعراء استمروا في استهلال قصائدهم بوصف الأطلال أو الغزل كما حدث مع كعب بن زهير عندما أسلم وحسن اسلامه، فمدح الرسول ــ صلى الله عليه و سلم ــ واستهل قصيدته بالغزل << بانت سعاد >> .

أمّا في العصر العباسي، والذي عرف بالعصر الذهبي، فقد تغيرت أنماط الحياة، من مأكل وملبس ومشرب، وهي حياة تختلف اختلافاً جذرياً عما كان عليه العرب قبل مجيء الإسلام ، كل هذا بسبب عوامل عدّة خاصة منها سيطرة العنصر الفارسي الذي حمل إلى العرب حضارة جديدة لا عهد لهم بها من قبل، فانعكس ذلك كله على الشعر و الشعراء، ولا سيما فيما يتعلق بالوصف. فتناول الشعراء وصف القصور والبساتين، والمدن، والسفن، والأسلحة، والمعارك، وأصناف الأكل، والأواني، ومجالس اللهو والمجون، والغناء والجواري، والقيان، والبرك، وهاهو البحتري، الشاعر العربي الصميم، يصف بركة المتوكل في قصره :

يامن رأى البركة الحسناء رؤيتها والآنسات إذا لاحــت مغـــانيــهــا

بحسبها أنّها فــــي فضــل رتبتهـا تــعــدّ واحــدة والبــحــر ثـــانيـهـا

ما بال دجلة كالغيــرى تنــافسهــا في الحسن طوراً وأطواراً تباهيـها

تنصب فيها وفود الماء معجــلــة كالخيل جارية من حبل مجــريــهـا

كأنما الفضة البيضـــاء ســـائــلـة من السبائك تجري في مجــاريــــها

فحاجب الشمس أحياناً يغـازلــهـا وريق الغـــيث أحـــيــانـاً يبــاكــيـها

إذا النجوم تراءت في جـوانبــهـا ليلا، حسبـــت سمــاء ركبــت فيـــها

لا يبلغ السمك المحصور غايتها لبعــد مابيــن قـــاصــيــها ودانـيــــها

ما الموضوع الذي تناولته قصيدة لبيد بن ربيعة والبحتري ؟ هل تناول كل واحد منهما موضوعاً واحداً، أم عدة موضوعات؟ نجيب عن هذين السؤالين فنقول : أن قصيدة الشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة لم تتناول موضوعاً واحداً ، ومن هنا نقول: أنّها لم تعتمد على الوحدة الموضوعيّة. أما قصيدة الشاعر العباسي البحتري قد تناولت موضوعاً واحداً فقط ، وهو وصف بركة المتوكل في قصره. فالمقصود إذن بالوحدة الموضوعيّة هو أن يتناول الشاعر في قصيدته موضوعا واحدا ، وبذلك يعدّ مجدّداً لا مقلّداً ، حيث لم يستهل قصيدته بالوقوف على الأطلال والبكاء عليها أو بالغزل على عادة الشعراء القدماء، ثم ينتقل إلى أغراض أخرى كالمدح والوصف ونحو ذلك. فالبحتري جدّد في بناء القصيدة العربية شأنه شأن الشعراء المجدّدين الآخرين من أمثال أبي تمام وأبي العلاء المعري وأبي الطيب المتنبي وغيرهم كثر. فلم يسر الشاعر بذلك على النهج التقليدي للقصيدة، فافتتح قصيدته بالغرض الأساسي وهو الوصف مما حقق الوحدة الموضوعيّة.

والسؤال المطروح الآن:هل حققت قصيدة البحتري الوحدة العضوية ؟ للإجابة عن هذا السؤال نقول: أن قصيدة البحتري لم تحقق الوحدة العضوية، ذلك أنها تعتمد على وحدة البيت، فأنت تستطيع أن تقدم وتأخر في أبيات القصيدة رغم أنّها تتناول موضوعاً واحداً، فأبياتها مستقلة المعنى عن بعضها بعض، فأنظر مثلاً عندما نقدم أبيات عن أخرى، ونزحزحها عن مكانها، أو نحذف أبيات، فلا يختل المعنى العام للقصيدة. فاستسمح القارئ الكريم أن أعبث بقصيدة البحتري بغية الاستفادة منها، وتعميمها خاصة على المتعلمين:

يامن رأى البركة الحسناء رؤيتها والآنسـات إذا لاحـت مغـــانيـهـا

تنصب فيها وفود المــاء معــجلـةً كالخيل جارية من حبل مجـريها

لا يبلغ السمك المحصور غايتـها لبعد ما بين قـاصــيــها ودانـيــها

إذا النجوم تراءت في جـــوانبـها ليلاً،حسبت سمـاءً رُكبــــت فـيـها

ما بال دجلة كالغيرى تنافــســها في الحسن طوراً وأطواراً تباهيها

بحسبها أنّها في فضــل رتبـتـهـا تعــــــدُّ واحــــدةً والبــحـر ثانيـها

فأنت ترى القصيدة يمكن قراءتها بهذه الطريقة الجديدة من حيث ترتيب أبياتها، فلا يحسُّ القارئ بالنشوز ولا اختلال في المعنى، ذلك أن كل بيت مستقل عن الآخر، فإذا حذفت أو قدمت أو أخرت، فلا يختل المعنى العام للقصيدة، ومن هنا نقول: إنّها لا تعتمد على الوحدة العضويّة لاستقلال البيت بالمعنى، فهي ذات وحدة موضوعية.

وما يحتار منه المرء، وبخاصة المتعلم و الطالب، أن تجد أبيات قليلة من العصر الجاهلي تعتمد على الوحدة العضويّة، فهذا امرؤ القيس يصف الليل في معلقته قائلا :

وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله عليّ بــأنــواع الهـــمــوم ليبتلـي

فقلت لــه لمـا تمطى بصلــــبــه وأردف أعجازاً وناء بكلـــكـــل!

ألا أيّها الليل الطويل ألا أنجـــل بصبح وما الإصباح منــك بأمثل

فيالك من ليــل كــأنّ نجـــومــه بكل مغار الفتل شـــدّت بيـذبـــل

فهذه الأبيات ــ على قلّتها ــ في وصف الليل فريدة من نوعها، لا نجد لها مثيلاً في الشعر الجاهلي ، ذلك أن الشاعر عبر عن وجدانه وعواطفه الجياشة، وأحاسيسه المتدفقة، ومشاعره المخلصة من خلال المظهر الخارجي لليل، فوحد بذلك بين ليل الهموم وليل الطبيعة، فقلّما نجد هذا المزج في الشعر الجاهلي، بل قل لا نجده على الإطلاق!! لأن الشعر الجاهلي هو في الحقيقة شعر حسيٌّ. بل أكثر من هذا نجد الشاعر في وصفه الليل تطور كبير في أسلوب التعبير الفني الجميل، وهو ما يعرف في المصطلح الحديث (بالوحدة العضويّة)، فلا يمكن تقديم بيت عن آخر، وزحزحته عن مكانه، شأن القصائد العربية قبل العصر الحديث، لاعتمادها على وحدة البيت في الغالب، فلا يمكن هنا أن نسقط من هذه الأبيات بيتاً واحداً حتى تختل هذه المقطوعة الشعرية، لفظاً أو معناً، ولو قدّر للشاعر أن يأتي بكثير من هذه النماذج في ذلك العصر، ونسج على منوالها شعراء آخرون في زمانه وبعده، لارتقى بالشعر العربي إلى المستوى الأعلى، ولكان من الشعراء السباقين إلى ما يعرف عندنا الآن << بالوحدة العضويّة >> في القصيدة العربيّة.

ترى، فما هي الوحدة العضوية في القصيدة العربيّة؟ ومتى ظهرت؟ للإجابة عن ذلك نقول: أن الوحدة العضويّة تطلق على ذلك النظام الذي يحكم ربط أجزاء القصيدة العربية، بطريقة خاصة تؤدي حتماً إلى تشكيل كلي عضوي له، مثل أعضاء الإنسان التي لا تنفصل عن بعضها البعض، وإلا لكان غير عادي وغير طبيعي، حيث يحسُّ القارئ عند قراءة القصيدة أو المقطوعة الشعريّة بأن الأبيات فيها متكاملة فكرة، وأسلوباً، وموضوعاً، وبناءً،ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفصل جزءً عن جزء. وقد ظهرت هذه الوحدة العضويّة في العصر الحديث وخاصة مع الكاتب العصامي الشهير عباس محمود العقاد. ويبدو أن الرجل قد اطلع على الآداب الغربية فاستفاد منها، وما كان صالحاً منها طبّقه على الآدب العربي بغية النهوض به من جديد . وهذا ما حدث بالفعل !!

يقول شاعر المهجر ايليا أبو ماضي في قصيدة رمزيّة تحت عنوان << الحجر الصّغير >> :

فلأغادر هذا الوجود وأمضــي بســــلام،إنّي كـــــرهـت البقـــاء

وهوى من مكانه وهويشكو الـ أرض والشهب والدّجى والسّمــاءَ

فتح الفجر جفنه فـــإذا الطّـــــو فان يغشــى المديــنــة البيضـــــاءَ

فأنت ترى أن هذه الأبيات على قلّتها تمثل وحدة موضوعيّة وعضويّة في آن واحد، فالغرض المطروق الذي تناوله الشاعر واحداٌ، وأن كل بيت مرتبط بما قبله وما بعده ارتباطاً عضوياً، فهو خيط في نسيج يدخل في تكوينه، ويساعد على تشكيله، وهذا مما دعا إليه الشعراء والنقاد المجددون في العصر الحديث، وعلى رأس هؤلاء جميعا عباس محمود العقاد. ولهذا فالقصيدة ينبغي أن تكون كنسيج مترابط الأجزاء، لا يمكن التصرف في تقديم أو تأخير أيَّ منها: فكرة، وأسلوباً، وموضوعاً، وبناءً. فالقصيدة التي تكون ذات وحدة عضوية، نجد فيها الأبيات عبارة عن بناء متكامل، يتخلخل هذا البناء ويضطرب بحذف أيِّ بيت منه، أو تقديمه أو تأخيره، وهي بذلك تعدّ صورة واحدة متناسقة ومرتبة الأجزاء، متلاحمة العناصر، وكل فكرة يجب أن تكون مرتبة بما قبلها وما بعدها .

فانظر إلى المقطوعة الشّعريّة لو قدّمنا فيها أو أخرنا، فلا تفهم منها شيئاً، فهي تصبح عبارة عن طلاسم، لا يقوى على فهمها أي إنسان، تقول مثلاً

وهوى من مكانه وهو يشكو الـ أرض والشهب والدّجى والسماء

فلأغادر هذا الوجـــود وأمضى بسـلام،إنـــي كـــرهـــتُ البــقـاء فتح الفجر جفــنــه فـــإذا الطّــو فان يغشى المــــدينـــة البيضــاء

وانظر إلى الشاعرة نازك الملائكة التي تقول في قصيدة تحت عنوان << الشهيد >> :

في دجى الليل العميق

رأســـــه النَّشــــوانُ ألْقــــوهُ هشيـــما

وأراقـــوا دمــــه الصّــافي الكريمــــا

فـوق أحجار الطــريق

وعـقـابيل الجـــــريمة

حمّــلوا أعباءهــا ظــهر العــمــــود

ثـــــمّ ألقــــوه طعــــــامــاً للـــــُحود

ومـــتاعاً وغـــــــنيمه

وصباحـــاً دفـــنـــــوهُ

وأحـــــالوا حقـــــدهم فــوق ثــراه

عـــارهم ظــــنّوه لن يبقى شــــذاه

ثـــم ســــاروا ونَسوهُ

يـــا لحمقى أغبـــــياءْ

منــــحوه حـــــين أردوهُ شهيـــــدَا

ألـــف عـــمر،وشــــبابًا،وخلـــودَا

وجـــمالا ونــــقـــــاءْ

وصفوة القول: إذا كانت القصيدة العربيّة تتناول موضوعاً واحدا من الأغراض الشعرية كالوصف والمدح والفخر والرثاء ونحو ذلك، وكانت أبياتها في الغالب مستقلة المعنى عن بعضها بعض، فتستطيع أن تقدم وتأخر فيها دون أن يختل المعنى العام للنص، أو تحذف بيتا أو أبيات من القصيدة، كما رأيت مع الشاعر البحتري في وصف بركة المتوكل، فهذا النوع من القصائد هي قصائد ذات وحدة موضوعيّة. فقد تناولت موضوعا واحدا، غير أن أبياتها تفتقر إلى التماسك والترابط فيما بينها،ففيها تقديم أو تأخير أو حذف.

أمّا القصيدة التي تتناول كذلك موضوعا واحدا من الأغراض الشعريّة، وكانت أبياتها وفق نظام يحكم ربط أجزاء هذه القصيدة أو تلك، بطريقة تؤدي حتما إلى تشكيل كلي عضوي لهذا النظام، فالقارئ والمتلقي يحس بأنّ أبيات القصيدة متكاملة من حيث الفكرة والأسلوب، والموضوع والبناء، ولا يمكن بأيِّ حال من الأحوال أن يفصل جزءاً عن جزء بسبب اعتمادها على وحدة الموضوع، وابتعادها على وحدة البيت معاً، كما جرت العادة عند الشعراء العرب القدماء.

الأستاذ:مومني عبد العالي

ثانوية بوالروايح – قالمـة -

الشّعر العربي في العصر الجاهلي يختلف عن غيره في العصور اللاحقة بطريقته الخاصة في الإنشاد، فلا نجد ما يشبهه في وجوه كثيرة، منها تعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة، واعتمادها على وحدة البيت في الغالب، ووحدة البحر أو الوزن، وحرف الرّوي الموحد، والقافية الموحدة، يتدرج الشّاعر إلى هذه الموضوعات في القصيدة بما يسمونه حاليا << بحسن التخلص>>، إذ ينتقل من موضوع إلى آخر، وفق سنن ألّفها الشّعراء وقتئذٍ، فهم لا يحيدون عنها، لأنّها طريقهم الخاصة في الإنشاد. والوصف في القصيدة نراه دائماً حاضراً، يأتي في ثناياها دائماً، فالشّاعر يعيش في بيئة صحراويّة تُصاب عادة بالقحط والجفاف، أهلها في الغالب يتصفون بالحل والترحال طلباً للماء الكلإ،فتقع عيناه على تلك المشاهد،فيصفها وصفاً جميلاً رائعاً،تطمئن إليه القلوب،ويتجاوب مع روح القارئ ووجدانه.

ومن عادة الشّعراء في العصر الجاهلي، وسننهم في الإنشاد، أنْ تجد الشاعر يقرض الشّعر عن السّليقة والفطرة بطريقة معيّنة، درج عليها جميع الشّعراء، وخاصة شعراء المعلّقات. فالشاعر ينتقل من موضوع لآخر حسب ما يطرأ على نفسيته من نوازع وهواجس، نجد هذا خاصة عند الشاعر الفحل من أمثال امرئ القيس، والأعشى، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، ولبيد بن ربيعة وغيرهم كثير ممن درج على سنن العرب في الإنشاد ونظم القصائد .

وأريد في هذه العجالة أن أضرب مثلاً بشاعر واحد من أكبر شعراء العصر الجاهلي وصدر الإسلام هو شاعر من شعراء المعلقات : لبيد بن ربيعة، الذي حافظ على الموروث القديم على مدى مائة وخمسين سنة قبل البعثة، وهي فترة العصر الجاهلي، فإذا وقفنا على معلقة هذا الشاعر الفحل، نرى أن قصيدته هذه تشمل على عدّة موضوعات، فهو بذلك ينظم معلّقته على سنن الشعراء القدماء الذين سبقوه في الإنشاد، ومن هذه السنن أن يستهل الشاعر قصيدته بالوقوف على الأطلال، والبكاء عليها، أو بالغزل، فأنظر إلى مطلع قصيدته التي يذكر فيها الطلل ويسائله :

عـفت الدّيـار محـلـها فمقامــهـا بمنـى تأبّـد غـولـها فـرجـامُـهـا

فـمدافع الرِّيَّان عُـرِّيَ رَسْـمـهَـا خَلقاً كما ضمن الوحي سِلامُهـا

دِمْــنٌ تـجرَّم بعد عَـهْــدٍ أنيسهـا حِجَـجٌ خَلَوْنَ حلالُها وحـرامُهـا

وَجَلاَ السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنَّها زُبُـرٌ تُجـِــدّ مــُتونـها أقلامُهـــا

أوْ رَجْـعُ وَاشـِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُها كِفـفا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنّ وِشامُـهـــا

فَـوَقَفتُ أَسْألُها،وكيفَ سُؤالنـــا؟ صُـمّا خَـوَالِــدَ ما يَبِينُ كلامُهــا

بعد وصف الطلل، يتخلص الشّاعر لبيد بطريقة فنيّة إلى موضوع جديد، فيتعرض إلى حبيبته ( نوَّار ) التي هجرته، وانقطع الوصال بينهما، فتنقلتْ من مكان إلى مكان آخر، وهي في الحقيقة لا تحفل ولا تهتم بتعلقه بها، وبعده لها ، فهو يقول عنها :

بَلْ ما تذكَّرمَنْ نُوار،وقد نأتْ وتقـطَّـعَـتْ أسبـــابُـها و رمامُـهـا

مَريّـَة حلَّـتْ بِفــَيْدَ وَجاورتْ أهل الحجاز،فأيـن منك مرامُتها؟

فهاهي نوّار أضحت بعيدة كل البعد، تتردد بين موضعين : فيد، والحجاز، وبينهما وبين بلاد الشاعر بعد، فكيف يتسيّر له طلبها والوصول إليها كما فعل بعده في العصر الأموي جميل بن معمر مع بثينة! فهو يأس كل اليأس من الوصول إليها، لذلك عرَّج على موضوع آخر لعلّه في ذلك قد يجد بعض التأسي والصّبر والجلد، فيصف الناقة التي اعتادت على الأسفار، فهو يقول:

بـطليحٍ أسـفـارٍ تركـنَ بقــيَّـةً منها،فأحـنقَ صُلبــها وسَنَامُـهــا

وإذا تغالى لحمُها وتحسّــرتْ وتقطّعـــت بـعـد الكـلال خدامُهــا

فلها هبابٌ في الزمام كأنّهـــا صهباءُ خفَّ مع الجنوب جهامُها

فالشّاعر يصف النّاقة وصفاً جميلاً رائعاً، فيذكر كل صغيرة وكبيرة عنها، فهي قويّة وسريعة، ورغم ذلك فهي لا توصله إلى حبيبته ( نوّار) التي أضحت بعيدة عنه، كما قال عن ذلك الشاعر الأندلسي ابن زيدون في ولاَّدة:

أضحى التناني بديلا من تدانينـا ونـاب عـن طيب لقيانا تجافينــا

بنتم وبنا، فما ابتلت جــوانحنــا شوقــا إليكم ولا جفت مآقيـنـــــا

نكاد حــين تنـاجيكم ضمائرنــا يقضي علينا الأسى لولا تأســينا

فبماذا يتأسى الشاعر يا ترى؟ فقد وجد في وصف الأتان ما يعوّض هذا الفراغ الرّهيب الذي يعيشه بعيداً عن (نوار)، فهذه الأتان قد حملت ولداً من هذا الفحل الذي هو شديد الغيرة عليها، فابتعد عن القطيع، وراح يسقوها بعنفٍ شديدٍ، وبخاصة في الأماكن الصعبة، وهو في الوقت تفسه ينظر من المرتفعات، ملتفةً يميناً ويساراً، خوفاً عليها من الصيادين الذين يستترون بالأدغال الكثيفة، ليرُوا كل طريدة من وراءها، فلا تحسُّ به ولا بوجوده حتى يصطادها بهذه الطريقة، لأنّها شديدة اليقظة، تهرب لكل حركة تحس بها، إذ يقول لبيد في وصف الأتان :

أو مُلمع وسقت لأحقب لاحه طرد الفحول،وضربها وكدامُها

يعلو بها حدب الإكام مستْحَجٌ قد رابه عصيانُــــها ووحامُهـــا

حتى إذا سلخــا جمـادى ستة جزْآ،فطال صيــامــهُ وصيامُـهـا

رجعا بأمرهما إلى ذي مرّة حصد،ونجْـعُ صـريمة إبرامُهــا

فالأتان يخاف من البقرة الوحشيّة، فهو يخشى أن تخونه مع فحل آخر، فهي شديدة العصيان له من جهة، وشديد التوحم من جهة أخرى، فكيف لا يرتاب من هذا الأمر؟ ونوار قد تفعل به ما تفعل، وهذه غريزة الحيوان، وقد تكون موجودة في الإنسان بسبب الغيرة، ألم تؤد الغيرة في كثير من الأحيان إلى الدمار والهلاك بين الأحبّة، وخاصة إذا كانت هذه الغيرة مفرطة، لا حدود لها، مثل قصة (عطيل) للشاعر الإنجليزي المشهور (شكسبير).

وصف الشاعر البقرة الوحشيّة بعد وصف الأتان الذي حملت منه، وكان مصيرها أشدُّ هلاكاً وقسوةً، وأكثر إيلاماً وحزناً، بعدما وضعت مولودها، لقد تركته، اتكالاً على الفحل، وراحت ترعى مع بقية القطيع كما وصفه امرئ القيس في معلقته وهو مع أصدقاءه أثناء خروجه للصيد :

فعنَّ لنا سربٌ كأن نعاجه عذارى دوارٍ في مُلاءٍ مُذيل

فهاهي السباع سارعت على غفلةٍ منها، فأكلت وليدها، فجعلتْ تعول وتصيح، لشدّة الرّوع، فلا تجد له أثراً، بل إنها عثرت على بقاياه، فها هي الذئاب تقتنصه وتأكله، فهذا هو قانون الغاب الذي يعيشه الحيوان كما يعيشه الإنسان، فكيف لا يخش لبيد من موت ولده أو مقتله إذا وصلته (نوار)وقبلت بالزواج منه، أو ليس هو القائل عن هذا الحال :

أفـتـلـك!أمْ وحشـيـة مســبوعـة خذلت، وهادية الصـوار قوامـها

خنساء،ضيّعت الفرير،فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامُها

علهت تردّد في نهــاء صُعائـد سبــعـاً تــؤامـاً كامـــلاً أيّــامـهـا

ثم يعود الشاعر إلى ذكر ( نوار ) من جديد، والتي تقمصها في شكل حيوان، فهاهو يعود إلى وعيه وعقله وإنسانيته، فيقول مجدِّداً عن ( نوار ):

أو لم تكن تدري نوار بأنني وصّــال عقــد حبائـل،جـذامُـهـا

ترّاكُ أمكنةٍ،إذا لم أرضـهـا أو يعتلق بعض النفوس حمامُهـا

وهكذا نجد في القصيدة العربية في العصر الجاهلي عدّة موضوعات، فينتقل الشاعر من غرض لآخر، وهذه سنة من سنن شعراء العرب جميعاً في هذا العصر. ولعلّ هذا الأمر يعود في الأساس إلى ظروف البيئة المتقلبة التي عاش فيها الشاعر العربي، من حرِّ النّهار صيفاً، وبرودة الليل شتاءً، وصعوبة العيش في الصحراء القاحلة التي عادة تصاب بالجفاف والقحط، وهي التي قال عنها زهير بن أبي سلمى حين مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لإيقافها الحرب بين قبيلتي عبس وذبيان في حرب<< داحس و الغبراء>>عن طريق دفع ديات القتلى، فنشرا السلم، فأشاد بهما زهير وبقومهم لهذا الصنيع قائلاً:

إذا السّنة الشهباء بالناس أجحفـتْ ونال كرام المال في الجحرة الأكل

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطـيناً بهــا حتى إذا نبـــت البقْـــلُ

على مكثريهم رزق مــن يعتريهمُ وعند المقلِّيــن السّمــاحــة والبــذلُ

وفي صدر الإسلام اشتغل أغلب الناس بالقرآن ومنهم الشعراء المخضرمين مثل الخنساء، ولبيد، أمّا حسان بن ثابث، وكعب بن مالك، عبد الله بن رواحة وغيرهم، فقد حملوا لواء الشعر للدفاع عن الإسلام والمسلمين وخاصة نبيّهم الذي تعرض للأذى من كفار قريش وشعرائهم، فكان لزاماً على شعراء الإسلام أن يردوا الضربات بأعنف منها، ألم يقل حسان بن ثابت في دفاعه عن الرسول الكريم ــ صلى الله عليه وسلّم ــ :

لنا في كــلّ يـــوم مـن معـدٍّ سبـــاب أو قـتــال أو هجـاءُ

فنحكم بالقوافي من هجـانـا ونضرب حين تختلط الدّماء

ألا أبلغ أبا سفــيــان عنّــي فأنت مجـوّف نخــبٌ هـــواءُ

بأن سيوفنا تركتـك عـبــداً وعبد الدار سادتهـــا الإمــاءُ

هجوت محمداً فأجبت عنه وعـنـــد الله في ذاك الجـزاءُ

فمن يهجو رسول الله منكم ويمـدحــه وينصــره ســواءُ

فالوصف في صدر الإسلام وفي عصر بني أميّة تناول موضوعات جديدة فرضتها الظروف الجديدة مثل وصف القتال وحصار المدن وفتحها، إلاّ أن الشعراء استمروا في استهلال قصائدهم بوصف الأطلال أو الغزل كما حدث مع كعب بن زهير عندما أسلم وحسن اسلامه، فمدح الرسول ــ صلى الله عليه و سلم ــ واستهل قصيدته بالغزل << بانت سعاد >> .

أمّا في العصر العباسي، والذي عرف بالعصر الذهبي، فقد تغيرت أنماط الحياة، من مأكل وملبس ومشرب، وهي حياة تختلف اختلافاً جذرياً عما كان عليه العرب قبل مجيء الإسلام ، كل هذا بسبب عوامل عدّة خاصة منها سيطرة العنصر الفارسي الذي حمل إلى العرب حضارة جديدة لا عهد لهم بها من قبل، فانعكس ذلك كله على الشعر و الشعراء، ولا سيما فيما يتعلق بالوصف. فتناول الشعراء وصف القصور والبساتين، والمدن، والسفن، والأسلحة، والمعارك، وأصناف الأكل، والأواني، ومجالس اللهو والمجون، والغناء والجواري، والقيان، والبرك، وهاهو البحتري، الشاعر العربي الصميم، يصف بركة المتوكل في قصره :

يامن رأى البركة الحسناء رؤيتها والآنسات إذا لاحــت مغـــانيــهــا

بحسبها أنّها فــــي فضــل رتبتهـا تــعــدّ واحــدة والبــحــر ثـــانيـهـا

ما بال دجلة كالغيــرى تنــافسهــا في الحسن طوراً وأطواراً تباهيـها

تنصب فيها وفود الماء معجــلــة كالخيل جارية من حبل مجــريــهـا

كأنما الفضة البيضـــاء ســـائــلـة من السبائك تجري في مجــاريــــها

فحاجب الشمس أحياناً يغـازلــهـا وريق الغـــيث أحـــيــانـاً يبــاكــيـها

إذا النجوم تراءت في جـوانبــهـا ليلا، حسبـــت سمــاء ركبــت فيـــها

لا يبلغ السمك المحصور غايتها لبعــد مابيــن قـــاصــيــها ودانـيــــها

ما الموضوع الذي تناولته قصيدة لبيد بن ربيعة والبحتري ؟ هل تناول كل واحد منهما موضوعاً واحداً، أم عدة موضوعات؟ نجيب عن هذين السؤالين فنقول : أن قصيدة الشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة لم تتناول موضوعاً واحداً ، ومن هنا نقول: أنّها لم تعتمد على الوحدة الموضوعيّة. أما قصيدة الشاعر العباسي البحتري قد تناولت موضوعاً واحداً فقط ، وهو وصف بركة المتوكل في قصره. فالمقصود إذن بالوحدة الموضوعيّة هو أن يتناول الشاعر في قصيدته موضوعا واحدا ، وبذلك يعدّ مجدّداً لا مقلّداً ، حيث لم يستهل قصيدته بالوقوف على الأطلال والبكاء عليها أو بالغزل على عادة الشعراء القدماء، ثم ينتقل إلى أغراض أخرى كالمدح والوصف ونحو ذلك. فالبحتري جدّد في بناء القصيدة العربية شأنه شأن الشعراء المجدّدين الآخرين من أمثال أبي تمام وأبي العلاء المعري وأبي الطيب المتنبي وغيرهم كثر. فلم يسر الشاعر بذلك على النهج التقليدي للقصيدة، فافتتح قصيدته بالغرض الأساسي وهو الوصف مما حقق الوحدة الموضوعيّة.

والسؤال المطروح الآن:هل حققت قصيدة البحتري الوحدة العضوية ؟ للإجابة عن هذا السؤال نقول: أن قصيدة البحتري لم تحقق الوحدة العضوية، ذلك أنها تعتمد على وحدة البيت، فأنت تستطيع أن تقدم وتأخر في أبيات القصيدة رغم أنّها تتناول موضوعاً واحداً، فأبياتها مستقلة المعنى عن بعضها بعض، فأنظر مثلاً عندما نقدم أبيات عن أخرى، ونزحزحها عن مكانها، أو نحذف أبيات، فلا يختل المعنى العام للقصيدة. فاستسمح القارئ الكريم أن أعبث بقصيدة البحتري بغية الاستفادة منها، وتعميمها خاصة على المتعلمين:

يامن رأى البركة الحسناء رؤيتها والآنسـات إذا لاحـت مغـــانيـهـا

تنصب فيها وفود المــاء معــجلـةً كالخيل جارية من حبل مجـريها

لا يبلغ السمك المحصور غايتـها لبعد ما بين قـاصــيــها ودانـيــها

إذا النجوم تراءت في جـــوانبـها ليلاً،حسبت سمـاءً رُكبــــت فـيـها

ما بال دجلة كالغيرى تنافــســها في الحسن طوراً وأطواراً تباهيها

بحسبها أنّها في فضــل رتبـتـهـا تعــــــدُّ واحــــدةً والبــحـر ثانيـها

فأنت ترى القصيدة يمكن قراءتها بهذه الطريقة الجديدة من حيث ترتيب أبياتها، فلا يحسُّ القارئ بالنشوز ولا اختلال في المعنى، ذلك أن كل بيت مستقل عن الآخر، فإذا حذفت أو قدمت أو أخرت، فلا يختل المعنى العام للقصيدة، ومن هنا نقول: إنّها لا تعتمد على الوحدة العضويّة لاستقلال البيت بالمعنى، فهي ذات وحدة موضوعية.

وما يحتار منه المرء، وبخاصة المتعلم و الطالب، أن تجد أبيات قليلة من العصر الجاهلي تعتمد على الوحدة العضويّة، فهذا امرؤ القيس يصف الليل في معلقته قائلا :

وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله عليّ بــأنــواع الهـــمــوم ليبتلـي

فقلت لــه لمـا تمطى بصلــــبــه وأردف أعجازاً وناء بكلـــكـــل!

ألا أيّها الليل الطويل ألا أنجـــل بصبح وما الإصباح منــك بأمثل

فيالك من ليــل كــأنّ نجـــومــه بكل مغار الفتل شـــدّت بيـذبـــل

فهذه الأبيات ــ على قلّتها ــ في وصف الليل فريدة من نوعها، لا نجد لها مثيلاً في الشعر الجاهلي ، ذلك أن الشاعر عبر عن وجدانه وعواطفه الجياشة، وأحاسيسه المتدفقة، ومشاعره المخلصة من خلال المظهر الخارجي لليل، فوحد بذلك بين ليل الهموم وليل الطبيعة، فقلّما نجد هذا المزج في الشعر الجاهلي، بل قل لا نجده على الإطلاق!! لأن الشعر الجاهلي هو في الحقيقة شعر حسيٌّ. بل أكثر من هذا نجد الشاعر في وصفه الليل تطور كبير في أسلوب التعبير الفني الجميل، وهو ما يعرف في المصطلح الحديث (بالوحدة العضويّة)، فلا يمكن تقديم بيت عن آخر، وزحزحته عن مكانه، شأن القصائد العربية قبل العصر الحديث، لاعتمادها على وحدة البيت في الغالب، فلا يمكن هنا أن نسقط من هذه الأبيات بيتاً واحداً حتى تختل هذه المقطوعة الشعرية، لفظاً أو معناً، ولو قدّر للشاعر أن يأتي بكثير من هذه النماذج في ذلك العصر، ونسج على منوالها شعراء آخرون في زمانه وبعده، لارتقى بالشعر العربي إلى المستوى الأعلى، ولكان من الشعراء السباقين إلى ما يعرف عندنا الآن << بالوحدة العضويّة >> في القصيدة العربيّة.

ترى، فما هي الوحدة العضوية في القصيدة العربيّة؟ ومتى ظهرت؟ للإجابة عن ذلك نقول: أن الوحدة العضويّة تطلق على ذلك النظام الذي يحكم ربط أجزاء القصيدة العربية، بطريقة خاصة تؤدي حتماً إلى تشكيل كلي عضوي له، مثل أعضاء الإنسان التي لا تنفصل عن بعضها البعض، وإلا لكان غير عادي وغير طبيعي، حيث يحسُّ القارئ عند قراءة القصيدة أو المقطوعة الشعريّة بأن الأبيات فيها متكاملة فكرة، وأسلوباً، وموضوعاً، وبناءً،ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفصل جزءً عن جزء. وقد ظهرت هذه الوحدة العضويّة في العصر الحديث وخاصة مع الكاتب العصامي الشهير عباس محمود العقاد. ويبدو أن الرجل قد اطلع على الآداب الغربية فاستفاد منها، وما كان صالحاً منها طبّقه على الآدب العربي بغية النهوض به من جديد . وهذا ما حدث بالفعل !!

يقول شاعر المهجر ايليا أبو ماضي في قصيدة رمزيّة تحت عنوان << الحجر الصّغير >> :

فلأغادر هذا الوجود وأمضــي بســــلام،إنّي كـــــرهـت البقـــاء

وهوى من مكانه وهويشكو الـ أرض والشهب والدّجى والسّمــاءَ

فتح الفجر جفنه فـــإذا الطّـــــو فان يغشــى المديــنــة البيضـــــاءَ

فأنت ترى أن هذه الأبيات على قلّتها تمثل وحدة موضوعيّة وعضويّة في آن واحد، فالغرض المطروق الذي تناوله الشاعر واحداٌ، وأن كل بيت مرتبط بما قبله وما بعده ارتباطاً عضوياً، فهو خيط في نسيج يدخل في تكوينه، ويساعد على تشكيله، وهذا مما دعا إليه الشعراء والنقاد المجددون في العصر الحديث، وعلى رأس هؤلاء جميعا عباس محمود العقاد. ولهذا فالقصيدة ينبغي أن تكون كنسيج مترابط الأجزاء، لا يمكن التصرف في تقديم أو تأخير أيَّ منها: فكرة، وأسلوباً، وموضوعاً، وبناءً. فالقصيدة التي تكون ذات وحدة عضوية، نجد فيها الأبيات عبارة عن بناء متكامل، يتخلخل هذا البناء ويضطرب بحذف أيِّ بيت منه، أو تقديمه أو تأخيره، وهي بذلك تعدّ صورة واحدة متناسقة ومرتبة الأجزاء، متلاحمة العناصر، وكل فكرة يجب أن تكون مرتبة بما قبلها وما بعدها .

فانظر إلى المقطوعة الشّعريّة لو قدّمنا فيها أو أخرنا، فلا تفهم منها شيئاً، فهي تصبح عبارة عن طلاسم، لا يقوى على فهمها أي إنسان، تقول مثلاً

وهوى من مكانه وهو يشكو الـ أرض والشهب والدّجى والسماء

فلأغادر هذا الوجـــود وأمضى بسـلام،إنـــي كـــرهـــتُ البــقـاء فتح الفجر جفــنــه فـــإذا الطّــو فان يغشى المــــدينـــة البيضــاء

وانظر إلى الشاعرة نازك الملائكة التي تقول في قصيدة تحت عنوان << الشهيد >> :

في دجى الليل العميق

رأســـــه النَّشــــوانُ ألْقــــوهُ هشيـــما

وأراقـــوا دمــــه الصّــافي الكريمــــا

فـوق أحجار الطــريق

وعـقـابيل الجـــــريمة

حمّــلوا أعباءهــا ظــهر العــمــــود

ثـــــمّ ألقــــوه طعــــــامــاً للـــــُحود

ومـــتاعاً وغـــــــنيمه

وصباحـــاً دفـــنـــــوهُ

وأحـــــالوا حقـــــدهم فــوق ثــراه

عـــارهم ظــــنّوه لن يبقى شــــذاه

ثـــم ســــاروا ونَسوهُ

يـــا لحمقى أغبـــــياءْ

منــــحوه حـــــين أردوهُ شهيـــــدَا

ألـــف عـــمر،وشــــبابًا،وخلـــودَا

وجـــمالا ونــــقـــــاءْ

وصفوة القول: إذا كانت القصيدة العربيّة تتناول موضوعاً واحدا من الأغراض الشعرية كالوصف والمدح والفخر والرثاء ونحو ذلك، وكانت أبياتها في الغالب مستقلة المعنى عن بعضها بعض، فتستطيع أن تقدم وتأخر فيها دون أن يختل المعنى العام للنص، أو تحذف بيتا أو أبيات من القصيدة، كما رأيت مع الشاعر البحتري في وصف بركة المتوكل، فهذا النوع من القصائد هي قصائد ذات وحدة موضوعيّة. فقد تناولت موضوعا واحدا، غير أن أبياتها تفتقر إلى التماسك والترابط فيما بينها،ففيها تقديم أو تأخير أو حذف.

أمّا القصيدة التي تتناول كذلك موضوعا واحدا من الأغراض الشعريّة، وكانت أبياتها وفق نظام يحكم ربط أجزاء هذه القصيدة أو تلك، بطريقة تؤدي حتما إلى تشكيل كلي عضوي لهذا النظام، فالقارئ والمتلقي يحس بأنّ أبيات القصيدة متكاملة من حيث الفكرة والأسلوب، والموضوع والبناء، ولا يمكن بأيِّ حال من الأحوال أن يفصل جزءاً عن جزء بسبب اعتمادها على وحدة الموضوع، وابتعادها على وحدة البيت معاً، كما جرت العادة عند الشعراء العرب القدماء.

الأستاذ:مومني عبد العالي

ثانوية بوالروايح – قالمـة -