مواهب وابداعات للأستاذ: مومني عبد العالي

مرحبا بجميع القراء الأوفياء

السبت، 26 يونيو، 2010

مــــن مظاهـــــر التجديـــــد... في شعــــر أبي القاســــم الشابــــي


من سنن الحياة ونواميسها، قديما وحديثا، التطور والحركة، والابتعاد عن الجمود والركود، والأدب العربي بجميع فنونه وألوانه، شأنه شأن الآداب الأخرى، صورة من صور التطور والحركة، لا الثبات والسّكون، فهو يساير الحياة بخيرها وشرها، بقوتها وضعفها، منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا. والشعر هو كل كلام جميل موزون مقفى، أما النثر، فهو كل كلام مرسل خال من الوزن والقافية. ومن هنا ندرك أن للشعر العربي منذ القديم موسيقى مطّردة، وهي في الواقع تخضع لقواعد صوتية خاصة، وضوابط معينة تسمى البحور الشعرية التي استقرأها الخليل ابن أحمد الفراهيدي، ووضع لذلك خمسة عشرة نغمة، أطلق على كل منها << بحرًا >>، لأنك تكتب على منوالها بحرًا من القصائد في جميع الأغراض الشعرية، وهذا على خلاف النثر الذي قلما نجد فيه هذه النغمة الموسيقية إلا قليلا، وبخاصة في فن الخطابة، إذا كانت مسجوعة، فهي تكاد ترقى إلى مستوى الشعر، بجرسها ونغمتها، ولا تنزل إلى مستوى النثر الذي لا يخضع لوزن أو قافية!!

والشعر العربي الحديث خضع لتطور كبير في أساليبه ومعانيه، وخياله وصوره، سواء على مستوى الشكل أو المضمون على حدّ سواء. فعندما خضعت أغلب الدول العربية للاحتلال الذي وضع قيودا كثيرة، وأغلال جمة، فكان الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج يتوق إلى الحرية والانعتاق في كل شيء، حتى أنه رأى أن الأوزان الخليلية تعدّ هي الأخرى قيودا أمام الشاعر، فلا بد ّمن التمرّد عليها، قليلا أو كثيرا، حتى تتاح له فرصة الإبداع أن يحلق بخياله بعيدًا بعيدًا، ويلج عوالم جديدة لم يألفها الشعراء القدماء من قبل، وهكذا تأثروا بعد الحرب العالمية الثانية خاصة بكل ما هو جديد، والثورة على كل ما هو قديم، فكان الصراع قويّا بين القديم والجديد في ذلك الوقت، فكان هذا الصراع يشبه إلى حدّ ما الصراع الذي أوجده شاعر الخمريات في العصر العباسي أبي نواس في شعره.

فكيف كان هذا الصراع وهذا التطور في القصيدة العربية قبل أن تصبح على صورتها الحالية، والتي تعرف(بشعر التفعيلة)، أو (بالشعر الحر)!! ونقتصر هنا على قصيدة واحدة تعدّ- حسب تقديرِ- من عيون الشعر العربي، فهي تمتاز بالروعة والجمال، والحسن والبهاء للشاعر الرومانسي العربي الكبير ( أبي القاسم الشابي ) بالإضافة إلى قصيدته التي عرف بها في المشرق العربي ومغربه على حدّ سواء، وهي قصيدة بعنوان << إرادة الحياة>>. هذا الشاعر الفذ، والأديب البارع، والمبدع الألمعي، والفنان الملهم، لو لم تعجّل به المنية، وهو في ريعان شبابه، لأمكن أن يكون فعلا طفرة كبيرة في تاريخ الأدب العربي الحديث، كيف لا؟ والرجل لم يبلغ بعد عقدين ونصف حتى فارق الحياة، وترك لنا ديوانا ضخما، والشباب عندنا الآن، وهو في سنه، لا زال لا يعي جدّا ما معنى الحياة، ولا يدرك كنهها، والتي قال عنها الشاعر:

إذا الشعب يوما أراد الحياه فلا بد أن يستجيب القـدر

ولا بـــــدّ لليل أن يتجلــــي ولا بدّ للقيد أن ينكســـــر


ومن لمْ يعانقه شوْق الحياه تبخر في جوّها وانــــدثر

كذلك قالت لــــي الكائنات وحدثني روحها المستترْ


وديوان الشاعر ( أبي القاسم الشابي ) يحتوي على ثمانية وتسعين قصيدة، أصغرها مقطوعة شعرية في بيتين فقط، ولا يوجد له بيت يتيم، وأكبرها قصيدة تحتوي على ثمانية وتسعون بيتا. وقصيدته المشهورة << إرادة الحياة >> تحتوي على ستة مقاطع، وكل مقطع فيه مجموعة من الأبيات غير متساوية.

فالشاعر يستنتج في هذه القصيدة وغيرها أن ناموس الطبيعة يقوم على التنازع والكفاح والنضال والجهاد، فهل توقفت النزاعات والحروب منذ أن عُرفت الإنسانية، والحضارات المتعاقبة؟، بل قل: إن هذا الأمر قائم منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض، ألم يقتل ( قابيل ) أخاه ( هابيل )؟! فمن يقبل بالذل والهوان والاحتلال، لا يحسُّ بهذا الأمر، ولا يشعر بخطورته أبدا، ولأمر ما قال أبو الطيب المتنبي:

من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بمــــيت إيلام

يقول الناقد ( إيليّا الحاوي ) حول مضمون قصيدة << إرادة الحياة >>: << ينطوي المضمون على موضوع واحد متطوّر منذ البداية حتى النهاية، عبر هالة من المشاعر العميقة البصيرة. وخلاصته أن أبناء الحريّة لا يعدمونها، بل إنها تقبل عليهم وتعتقهم، وتعيد إليهم كرامتهم كما يعيد الربيع الحياة للبذور. ومهما تبدّلتْ ظلمة الهوان والعبوديّة، فإن حنين الشعب إلى الحريّة وصموده لها يخرجانه إلى رحابها ونعيمها >>. (1)

وقصيدة (الشابي) تحتوي على (سبع وثلاثين بيتا)، قسمها الناقد ( إيليا الحاوي ) إلى أربعة أفكار رئيسة، وهي كالآتي: أوّلا: (إرادة الشعب)، من البيت الأول إلى الرابع، ثانيا: (حديث الريح والأرض والطبيعة)، من البيت الخامس إلى السابع عشر، ثالثا:(من مخاطبة الليل)، من البيت الثامن عشر إلى واحد وعشرون، رابعا: (حديث الغاب والبعث)، من البيت اثنين وعشرين إلى سبعة وثلاثين. (2)

وهناك قصيدة أخرى ( للشابي ) جديرة بالتنويه على أنها تعدّ هي الأخرى من عيون الشعر العربي الحديث، كيف لا؟ وهي ــ رغم قصرها ــ تعالج قضية هامة من قضايا التحرر في الوطن العربي من ربقة الاحتلال، فيستهلها بصرخة مدوية في وجه الغاصب المحتل قائلا، دون خوف من السجون وقتئذ، أو الملاحقات، والنفي، والاعتقالات:-

ألا أيها الظالم المستبدّ حبيب الفناء عدو الحياه


وقصيدة الشاعر المسماة << الطفولة >> تحتوي على ثلاثة مقاطع، وكل مقطع فيه أربع أبيات، ففي البيتين الأولين يعتمد على قافية، والبيتين الأخيرين على قافية أخرى، لاحظ مقطع واحد من هذه المقاطع الثلاثة:

إن الطفــــولة حقبة شـــــــعريّة بشـــعورها

ودموعها،وسرورها،وطــموحها،وغرورها

لم تمش في دنيـــــا الكآبة،والتعاسة والعذابْ

فترى على أضوائها ما في الحقيقة من كِذابْ


وانظر إلى قصيدة << أغنية الأحزان >> كيف نظمها الشاعر بهذه الطريقة الجميلة الرائعة، وهي قصيدة تحتوي على إحدى عشرة مقطوعة، وإليك واحدة من هذه المقاطع:

غنني أنشودة الفجر الضحوكْ

أيّها الصَّداحُ

فقد جرّعنــــي صوتُ الظلامْ

ألمًا علّـــــمني كُـــــره الحياة

إنّ قلبي مــــلّ أصداء النواحُ


والشاعر ( أبو القاسم الشابي ) مولع ــ كما يبدو ــ بتنوع القافية وحروفها، وبخاصة حرف الروي الذي تُبنى عليه القصيدة العمودية، حتى عرفت بعض القصائد المشهورة عند العرب يحرف رويّها، فقالوا ــ مثلا ــ لامية العرب (للشنفرى) التي يقول في مطلعها:

أقيموا، بني أمي، صـدور مطــــــيكُم

فإني إلى قـــوم سواكــــم، لأميل

فقد حمّت الحاجاتُ، والليـل مُقـــــــمرٌ

وشدّت، لطيّات، مــــطايا وأرْحُلُ

وفي الأرض منأى، للكريم، عن الأذى

وفيها، لمن خاف القلى، متــــــعزّلُ

لعمرك، ما بالأرض ضيق على امرئ

سرى راغبا أو راهبا، وهْو يعقلُ (3)


وسينية (الخنساء) التي تقول فيها:

يؤرقني التذكر حين أمـــــسي

فأصبح قد بليت بفرط نكس

على صخر، وأي فتى كصخر

ليوم كريهة وطــعان خلس

وضيف طارق أو مستـــــجير

يروّع قلبه مــن كل جرس

فأكــــــرمه وأمّنـــه فأمـــسى

خليًّا بــاله مـــــن كل بؤس (4)


ونونية (ابن زيدون) التي يقول فيها:

أضحى الثنائي بديلا من تدانينا

وناب عن طيب لقيانا تجـــافينا

بنتم وبنا، فما ابتلت جوانحنا

شوقا إليكم، ولا جفتْ مآقــــينا

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا

يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكم أيامنا فـــغدتْ

سودًا، وكانت بكم بيضًا ليالينا (5)


فانظر إلى أطول قصيدة الشاعر التي يقول في مطلعها:

يا شعرُ أنت فم الشعور، وصرخة الروح الكئيبْ

يا شعرُ أنت صدى نحيب القلب، والصّبِّ الغريبْ

يا شعرُ أنت مـــــدامعٌ علـــقتْ بــــــأهداب الحياةْ

يا شعرُ أنت دمُ، تفـــــجّر من كــــــــلوم الكائناتْ


وهكذا يستمر الشاعر في هذه القصيدة الطويلة،ففي كلّ بيتين يغيّر القافية، وحروفها، وبخاصة حرف الروي،فأنت تلاحظ أن البيتين الأولين ينتهيان بحرف (الباء) الساكنة، والياء قبلها حرف ردف، أما البيتان المواليان، فحرف الروي تغير إلى (تاء) ساكنة، وما قبلها حرف ردف، فالأبيات إذن مردوفة، فهو يغير في حروف الردف من الياء إلى الألف كما يغير في حروف القافية. وحرف الردف واحدٌ من ثلاثة أحرف: الألف والواو والياء قبل حرف الروي مباشرة. فأنت ترى هذا التنوع الكثير في القافية، وحرف الروي بالخصوص، في القصيدة الواحدة، وهذا يعدّ مظهرا من مظاهر التجديد عند الشاعر العربي الكبير ( أبي القاسم الشابي )، فلم يعرف الشعراء العرب قديمًا هذا النوع من التنوع في القصيدة إلا في العصر الحديث،خاصة عند شعراء العراق مع ( بدر شاكر السياب )، و ( نازك الملائكة ) وغيرهما، وبعض شعراء المهجر.

وانظر إلى الشاعر العربي الكبير ( أبي القاسم الشابي ) كيف ينوع في هذا التجديد في قصيدة أخرى، فيقول عن الكآبة المجهولة:

أنا كئيبْ

أنا غريبْ

كآبتي خـــالفت نـــظائرها

غريبة في عـوالم الــــحزن

كآبتي نكـرة مغــــــــــرَّدة

مجهولة من مسامع الزمن

لكنني قد سمعت رنتــــها

بمهجتي، في شبابي الثمل

سمعتها، فانصرفت مكْتئبًا

أشدُو بحزني،كطائر الجبل


فمن مظاهر التجديد عند ( أبي القاسم الشابي )، شأنه في ذلك شأن كل الشعراء المحدثين، اعتماده على وحدة الموضوع، وهذا على خلاف الشعراء القدماء الذين نجد في القصيدة الواحدة عندهم عدد من الموضوعات، فقد درج شعراء الجاهلية أن ينتقلوا من موضوع لآخر بطريقة معينة، ويستهلون في الغالب قصائدهم بالوقوف على الأطلال أو بالغزل.والشعراء المحدثون تخلصوا نهائيا من هذه الظاهرة القديمة، واعتمدوا في قصائدهم على وحدة الموضوع، على عكس الشعراء القدماء، مثل (عمرو بن كلثوم)، و (عنترة بن شداد)، و (لبيد بن ربيعة)، و (امرؤ القيس) أمير الشعراء العصر الجاهلي الذي يصف الليل – مثلا- في معلقته المشهورة قائلا:

وليل كموج البحر أرخى سدوله

علي بأنــــواع الهمـــوم ليبتلي

فقـــلت لــه لمـــــا تمطى بصلبه

وأردف أعجازا وناء بكلــــكل:

ألا أيّها الليل الطويل ألا أنجل

بصبح وما الإصباح منك بأمثل

فيا لك من ليل كــأن نجومـــه

بكل مغار الفتل شدّت بيـــــذبل (6)


ثمّ تراه ينتقل إلى وصف الفرس العربي الأصيل قائلا:

وقد أغتدي- والطير في وكناتها -

بمنجـرد،قيـــــد الأوابـــــد،هيكــــــل

مــكرّ، مفرّ، مقـــبل، مدبر معًا

كجلمود صخر حطّه السيل من عـل

يزل الغلام الخف عن صهواته

ويلــــوي بأثـــواب العنيف المثقـــــل

له أيطلا ضبي وساقا نعامة

وإرخاء سرحــــــان وتقريـــب تتفــــل (7)


وبعدما ينتقل – مثلا - إلى وصف الصيد مع أقرانه وأترابه، قبل أن يقتل والده ــ كما يبدو من خلال المعلقة ــ حيث يقول:

فعنَّ لنا سرب كـــأن نعاجـــــه

عذارى دوارٍ في مُــلاءٍ مذيل

فعادى عداءً بين ثور ونعـــجة

دراكا ولم ينضح بماء فيغسل

فظل طهاة اللحم من بين منضج

صفيف شواء أو قدير معجّل (8)


فأنت ترى أن الشاعر في القصيدة لا يعتمد على وحدة الموضوع، فهو ينتقل من فكرة لأخرى حسب حالته النفسية، وتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية والدينية واضحة كل الوضوح من خلال القصيدة، فهي التي تؤثر في الغالب في مزاج الشاعر العربي القديم، كما هو الحال بالنسبة للشعراء المحدثين، فالبيئة الجديدة تفرض على كل أديب، شاعرا أو كاتبا، أن يلتزم بالموضوع الواحد في القصيدة، شأنه شأن جميع الخاصة من الناس في عصره، فالتخصص أصبح واضحا جليّا لتوسع العلوم الكونية والإنسانيّة على حدّ سواء. كما أن العصر هو عصر السرعة، فلا يبقى الإنسان طوال حياته يتعلم حتى يكون مثل القدماء موسوعة في كل شيء...، وهذا الأمر لا يتاح لخاصة الناس من الأدباء والعلماء والفلاسفة في العصر الحديث لتوسع العلوم وتشعبها.

والعرب قديمًا كانوا يفتخرون بالشعراء، وتقام لهم الولائم، ويحجون إلى سوق عكاظ بمكة المكرمة في موسم الحج، فيتبارون فيما بينهم شعرا، فكل قبيلة من القبائل العربية تأتي إلى الحج، وتستقدم شاعرها الفحل، فيجتمع الناس حولهم في سوق عكاظ ليسمعوا لهذا الشاعر أو ذاك، وكانت قبيلة قريش رائدة في هذا المجال من ناحية اللسان العربي وفصاحته، لاقتباسها من لغات القبائل العربية الأخرى ، فكانت بذلك لغتها أرقى لغة في شبه الجزيرة العربية، ولهذا نجد العرب قديما يفتخرون قائلين: هذا أحسن بيت قالته العرب في الفخر، وهذا في المدح، وهذا في الوصف، وهذا في الغزل وهلمّ جرًّا.ومعنى هذا أن القصيدة العربية تعتمد على وحدة البيت في الغالب، فأنت تستطيع أن تحذف بيتا، أو أبيات، من القصيدة الواحدة، دون أن يختل المعنى العام للنص، أو تزحزحه من مكانه من حيث التقديم والتأخير، فلا تحسُّ بالخلل،أو تشعرُ بالنشاز في القصيدة على الإطلاق. وفي العصر الحديث تخلص الشعراء من هذه الظاهرة الشعرية القديمة، واعتمدوا ــ بالإضافة إلى وحدة الموضوع ــ على ما اصطلح على تسميته << بالوحدة العضوية >> في القصيدة العربية، وهذا ما ذهب إليه الشاعر العربي الكبير (أبو القاسم الشابي)، فأنت تلاحظ في جل قصائده ترابط بين أجزاء القصيدة الواحدة، فكل بيت مرتبط أشد الارتباط بما قبله وبعده ارتباطا عضويًّا، فلا يمكن أن تحذف بيتا، أو تزحزحه عن مكانه، فيختل بذلك المعنى العام للقصيدة. وهذا يعدّ مظهرًا آخر من مظاهر التجديد في قصائدهم، فاعتمد عليها في جلّ قصائده. فانظر مثلا إلى قصيدته المشهورة << إرادة الحياة >> التي راح يقول في إحدى مقاطعها:

كذلك قالـــــت لي الكائنات

وحدثني روحـــــها المســـــتتر

ودمدمت الريحُ بين الفجاجْ

وفوق الجبال وتحت الشــــجر:

إذ ما طمحتُ إلــى غــــاية

لبستُ المنى وخـــــلعتُ الحذرْ

ولم أتخوّف وعور الشعابْ

ولا كُبَّة اللـــــهب المستعـــــرْ

ومن لا يُحبّ صعود الجبال

يعيش ــ أبد الدهر ــ بين الحفرْ


فأنت لا تستطيع أن تقدم و تأخر في أبيات القصيدة كما كان الحال عند الشعراء العرب القدماء، وإذا فعلت ذلك فتصبح المقطوعة الشعرية أو القصيدة عبارة عن طلاسم، لا يستطيع أحد من القراء فهمها،أو فك رموزها، ومعرفة معناها ومغزاها وموضوعها!! واستسمح القارئ الكريم أن أقدم وأؤخر في أبيات قصيدة (أبي القاسم الشابي)، لتقف على الحقيقة بنفسك، عن الوحدة العضوية في القصيدة العربية عند الشعراء المحدثين:

ومن لا يحب صعود الجبال

يعيش ــ أبد الدهر ــ بين الحفرْ

إذ ما طمحتُ إلى غايــــــــة

لبستُ المنى وخلعتُ الحـــــــذرْ

ودمدمتْ الريح بين الفجاجْ

فوق الجبال وتحــــت الشجـــــر

ولم أتخوّف وعور الشعـابْ

ولا كبة اللهب المستعــــــــرْ

كذلك قالت لي الكائنــــــات

وحدثني روحها المستتـــــــرْ


وانظر في المقابل إلى مقطع من مقاطع الشاعر العربي الكبير (امرئ القيس) في وصفه للفرس العربي الأصيل،فلا تحس بالخلل ولا تشعر بالنشازـ إذا قدمت وأخرت في أبيات هذه المقطوعة :-

وقد أغتذي والطير فـــي وكناتها

بمنجردٍ، قــيد الأوابد، هيــــــــكل

له أيطلا ظبْي وســاقا نــــــعامة

وإرخاء سرحان، وتقريبُ تـــــتفل

مكرٍّ، مفرٍّ، مقبلٍ، مدبرٍ مـــــعًا

كجلمود صخر حطّه السيلُ من عل

يزلُّ الغلام الخف عن صهواته

ويلوي بأثواب العــــنيف المثــــقل


فأنت تقرأ القصيدة هذه القراءة الجديدة من حيث تقديم الأبيات وتأخيرها دون تحس بالاضطراب فيها، أو تشعر بالنشاز ونحو ذلك. فالوحدة العضوية أصبحت مسألة هامة في الشعر العربي الحديث، ولهذا نرى (أبا القاسم الشابي) يعتمد عليها كثيرًا، فكل بيت، في أغلب قصائده، يسلمك إلى البيت الذي يليه، فهي بذلك تعدُّ وحدة متكاملة مترابطة ترابطا عضويا، كما أن الشاعر العربي الكبير (أبا القاسم الشابي) يعتمد في الغالب على البحور الشعرية التقليديّة، كالطويل والكامل والبسيط والرمل ونحو ذلك من البحور الخليلية، إلا أن الجديد عنده نجده يتجلى في القافية، وبالذات في حرف الروي، الذي تبنى عليه القصيدة العربية القديمة، فهو ينوّع في حرف الروي، فالقافية عنده تأتي في الغالب على شكل مقطوعات، على اختلاف في عدد أبياتها، عكس شاعر الثورة الجزائرية (مفدي زكرياء) في ملحمته الشهيرة، حيث اعتمد على المقاطع الشعرية في هذه الإلياذة، ولكنها محددة في عشرة أبيات،مع اللازمة التي يقول فيها دائما في كل مقطع:

شغلنا الورى وملأنا الدّنا

بشعـــر نرتله كالصــــلاه

تسابيحه من حنايا الجزائر


فأبو القاسم الشابي مقطوعاته في الغالب مختلفة من حيث عدد أبياتها، من واحد فأكثر، وهو بذلك ينوّع القافية من حيث حرف الروي لا في البحر، فقصيدته المشهورة << إلى الطغاة >> تراه يعتمد في المقطع الأول الذي اشتمل على ثلاثة أبيات، على حرف الهاء الساكنة، التي يقول فيها:

ألا أيّـــــها الظالــــم المـستبد

حبيب الفناء، عدوّ الحيـــاهْ

سخرت بأنّات شعب ضعيف

وكفك مخضوبة من دمــــاهْ

وعشت تدنس سحر الوجود

وتبذر شوك الأسى في رباهْ


وفي المقطع الثاني الذي اشتمل على ثلاثة أبيات أيضا، على حرف الحاء الساكنة، والتي يقول فيها:

رويدك، لا يخـــــدعنك الربيع

وصحْو الفضاء وضــــوْء الصباحْ

ففي الأفق الرحب هول الظلام

وقصف الرعود، وعصف الرياحْ

ولا تهزأن بنوْح الضــــعيف

فمن يبذر الشوك يجـــــن الجراحْ


والمقطع الثالث الذي اشتمل على بيتين، على حرف اللام الساكنة، والتي يقول فيها أيضا:

تأمل هنالك أنّى حصدْت

رؤوس الورى، وزهور الأملْ

وروّيْتَ بالدّم قلب التراب

وأشربْتهُ الدّمـــــــع حتى ثملْ


وفي المقطع الرابع والأخير الذي اشتمل على بيت واحد فقط، على حرف اللام الساكنة أيضا، والتي يقول فيها:

سيجرفك السيل،سيلُ الدّما

ويأكلك العاصفُ المشتعلْ


وهذا السكون لحرف الروي يحدث جرسا موسيقيا قويّا، كقوة صرخة الشاعر في وجه الاحتلال، وهي تعرف عند الخاصة من الناس << بالوقف >>، فهذا مظهر آخر من مظاهر التجديد عند الشاعر العربي الكبير (أبي القاسم الشابي). فالتجديد في القافية العربية يعدّ مظهرا من مظاهر التجديد، لم يألفه العرب من قبل، وخاصة عندما ينظم الشاعر قصيدة على شكل مقطوعات تختلف في عدد أبياتها من جهة، وتنوع قافيتها، وخاصة حرف رويها من جهة أخرى.

ومن مظاهر التجديد في الشعر العربي الحديث عند (أبي القاسم الشابي)، الذي عاش عليلا، إلا أنه يحب الحياة بنغماتها المختلفة، لذلك تراه يهتم اهتماما كبيرا بالموسيقى الداخليّة والخارجيّة في آن واحد، وهذا الأمر جديدًا لم يألفه الشعراء من قبل، فأنت حين تقرأ قصيدة << إلى الطغاة >> مثلا تجد الموسيقى الداخليّة تتجلى خاصة في حسن اختيار الحروف ومخارجها، وتآلفها وانسجامها مع روح القارئ ووجدانه، بالإضافة إلى بعض المحسنات البديعية مثل المقابلة بين: (حبيب الفناء # عدوّ الحياة) وفيها تأكيد وتقوية ناشئان عن التقابل في المعنى من جهة، وتوضح شراسة الاحتلال وقسوته من جهة أخرى. بالإضافة إلى الجناس بين (قصف... عصف) وهو جناس ناقص، حيث أحدث جرسا عذبا، ونغما جميلا في العبارة. أما الموسيقى الخارجية، فحدّث عنها ولا حرج، فهي من أجمل وأحسن وأروع النغمات في العصر الحديث لتنوع حرف الروي في القافية بتنوع دفقات الشعور والإحساس والعاطفة، فالقصيدة من بحر << المتقارب >> الذي يمتاز بالتفعيلات القصيرة المتلاحقة كتلاحق الانفعالات النابعة من الوجدان، وهي في الحقيقة تلاءم الحماسة والثورة، لأن النص من الشعر السياسي التحرري، وكذلك صيحة الشاعر في وجه الاحتلال، هذه الصيحة الجريئة القوية، التي لطم بها وجه الاحتلال الخبيث الغاصب، وحرف الروي نراه دائما ساكنا رغم تنوعه من الهاء، إلى الحاء،إلى اللام،و القافية من هذا النوع تسمى القافية المقيدة،وعكسها القافية المطلقة إذا كان حروف رويها متحرك، وبحر المتقارب تفعيلاته الحقيقية هي:

فعولن فعولن فعولن فعولن فعولن فعولن فعولن فعولن


وقافية المقطع الأول هي (مِنْ دِمَاهْ) فالهاء الساكنة حرف روي، والألف قبلها مباشرة حرف ردف، فهي إذن قصيدة مردوفة، أما قافية المقطع الثاني هي (فُ رْرِيَاْحْ) فالحاء الساكنة حرف روي، والألف قبلها مباشرة حرف ردف، فهي أيضا مردوفة أيضا، وقافية المقطع الثالث والرابع هي (مُشْتَعِلْ) فاللام الساكنة حرف روي، وهي ليست مردوفة ولا مؤسسة!! فهذه الموسيقى الخارجية اعتمد عليها الشاعر العربي (أبو القاسم الشابي)، فجاءت قوية منسجمة مع روح القارئ ووجدانه من جهة، وتناسب الحالة الشعورية للقضية التي عالجها الشاعر في هذا النص من جهة أخرى.

ومن مظاهر التجديد عند الشاعر العربي الكبير (أبي القاسم الشابي) اتخاذ مظاهر الطبيعة وسيلة هامة من وسائل التعبير الفني الجميل، شأنه في ذلك شأن شعراء المهجر، الذين تأثر بهم كثيرا، فهو يهتم اهتماما خاصا بمظاهر الطبيعة المختلفة بغية صياغة تجربته الشعرية، كل ذلك لكي يبدع في قصيدته وإنشائها، فقد انتقى ألفاظا بسيطة، لكنها قوية موحية، فقد جعل من هذه الكلمات (الربيع ــ الفضاء ــ الصباح ــ الظلام ــ الرعود ــ الرياح ــ زهور...) لبنات عمله الفني الجميل. فكل شاعر رومانسي الآن يعتمد كثيرا على ألفاظ الطبيعة لصوغ تجربته الشعرية، وهذا الاتجاه جديد في الشعر العربي الحديث، وجده الشاعر عند شعراء المهجر الذين تأثر بهم كثيرا، شكلا ومضمونا، وهذا لا يعدّ ضعفا منه، بل استمرارا لنهج جديد في تاريخ الأدب العربي الحديث،وتطويرا له، ليكتمل على يده وأمثاله من الشعراء الرومانسيين، فهذه النزعة الرومانسية جديدة في تاريخ الأدب العربي الحديث استفاد منها الشاعر، وطورها، لصوغ تجربته الشعرية.

ومن مظاهر التجديد أيضا عند الشاعر العربي الكبير (أبي القاسم الشابي)، أنه انطلق من قضية وطنه الصغير، ومن موقف ذاتي، يمس شعوره الشخصي، إلى مجال أوسع وأرحب من ذلك، فقد تجاوزه ووصل بقضيته الوطنية إلى قضية إنسانية، لا تخصه لوحده ولشعبه فقط، فقد أضفى عليها صبغة إنسانية عالمية، كيف لا؟ وأن الشاعر صاغها في أفكار تتجاوب معها كل الضمائر الحيّة في العالم، ويتردد صداها عند جميع الشعوب المغلوبة على أمرها، التي تشعر في كل زمان ومكان بمرارة الظلم والحيف والاستبداد، ويمقتون الاحتلال حتى لو وضع عليه أحمر الشفاه، ومن هنا يحس ويشعر كل مظلوم في العالم في مثل ظروف (الشابي) وشعبه ومجتمعه أنه يمقت الاحتلال بكل أشكاله، لما لهذه القضية من صبغة إنسانية عالمية، وبذلك جعل كل إنسان مظلوم ومحتل أن الشاعر يعبر بصدق وأمانة عن مشكلته الذاتية. فكل فرد من الأفراد يحس بهذا الإحساس، ويشعر به ، لأن الشاعر استطاع أن يجعل من هذا الموقف الذاتي الذي يمس شعوره وكيانه ووجدانه ، ثم لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه حتى يكسب تعبيره الجميل عن وجدانه و عواطفه صبغة إنسانية عالمية ، وهذه النزعة الإنسانية العالمية.وهذه النزعة الإنسانية العالمية تعد بحق قضية جديدة في تاريخ الشعر العربي الحديث ،كيف لا؟ و الشاعر قد أنطلق من وطنه الأصغر تونس، إلى وطنه الأكبر العرب ، ثم مجتمعه الإنساني الأكبر .

والنص الذي نتحدث عنه ، رغم قصره ، فهو يعبر بصدق عن الشعر السياسي التحرري، الذي عرفه العرب نتيجة الاحتلال، و الدعوة إلى التخلص منه عن طريق المقاومة و الجهاد والنضال ، فهو شعر يهدف في الأساس إلى بعث الروح الوطنية في الشباب العربي من المحيط إلى الخليج ، وبخاصة في الجزائر ، بالإضافة إلى تقوية النزعة الثورية للتحرر من ربقة الاحتلال الغاصب، والوقوف في وجهه. هذا الاتجاه لم يعرفه الشعراء العرب القدماء ، بل هو جديد في الشعر العربي الحديث ، ظهر في هذا العصر، استجابة لظروف الاحتلال للبلاد العربية في معظمها، حيث انبرى الشعراء لشحذ الهمم، و تقوية العزائم، وإثارة الحماسة في قلوب المغلوبين على أمرهم حتى يتخلصوا نهائيا من نير الاحتلال، وهذا ما حدث بالفعل عند كثير من الشعراء في العالم العربي و خاصة في الجزائر ، نتذكر بالخصوص مفدي زكرياء الذي لقب شاعر الثورة الجزائرية . فكل إنسان على وجه الأرض يتجاوب مع الشاعر،ويتفاعل معه،لأن الظلم والاستبداد في مختلف أصقاع العالم تكرهه البشرية جمعاء،وهكذا أصبحت هذه النزعة نزعة إنسانية عالمية.

وهكذا استمر التجديد في الشعر العربي الحديث رويدا رويدا، حتى وصل عند كثير من الشعراء إلى ما يعرف حاليا (بشعر التفعيلة)، أو(الشعر الحر)، فما طبيعة هذا النوع من الشعر؟، وما مصطلحاته الجديدة؟ وأيهما أحسن في التسمية وأدق: شعر التفعيلة أم الشعر الحر؟.

وصفوة القول: أن الشاعر العربي الكبير أبا القاسم الشابي شاعر فحل،واسع الخيال،بالغ التأثير في شعره،يتجاوب معه القارئ العربي من المحيط إلى الخليج،استطاع بشعره أن يخلد اسمه من نور في تاريخ الأدب العربي،فرغم مرضه المزمن استطاع أن يشق طريقه نحو المجد والسؤدد،وقصر عمره لم يمنعه أن يترك قصائد كثيرة جمعها في ديوان ضخم مطبوع،بالإضافة إلى بعض رسائله. فقد كان بعض الأدباء والنقاد في المشرق العربي ينظرون إلى أدباء وعلماء المغرب العربي بشيء من الاستعلاء منذ سالف العصر والأوان، ويعتقدون - للأسف الشديد - أن العالم العربي مقصور على المشرق العربي فقط، حتى القضايا العربية المصيرية لا يستشار فيها المغرب العربي قديما وحديثا،إلا أن الشاعر أبا القاسم الشابي، وأمثاله، من شعراء المغرب العربي، وأدبائه، ومبدعيه، وكتابه، فقد فرضوا أنفسهم على أدباء ونقاد المشرق العربي، فلم ينبس واحد منهم بكلمة حتى الآن أمام هذه الأبيات الرائعة الجميلة الخالدة التي قال فيها الشابي وهو عليل:-

إذا الشعب يوما أراد الحياه فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليـــــــل أن ينجلــي ولا بد للقيــــد أن ينكسر


أمام هذا الإبداع الجميل، والتجربة الشعرية الرائعة، والنزعة الإنسانية العالمية، ونحو ذلك، فلم يستطع أدباء ونقاد المشرق العربي، أن يقولوا مثلما قالوا قديما، لأدباء المغرب العربي: بضاعتنا رُدَّتْ إلينا!! .


قالمة في:30/07/2009

الأستاذ: مومني عبد العالي

ثانوية بوالروايح –قالمة.


هوامش:

1ــ في النقد والأدب، ايليّا الحاوي،ج:4،ط:4،دار الكتاب اللبناني، بيروت:1979،ص:222.

2ــ المرجع نفسه:216.

3ــ في النقد والأدب، ج:1، ص:355.

4ــ المختار في الأدب والقراءة، ص:133.

5ــ المرجع نفسه، ص:113.

6ــ المختار في الأدب والنصوص، فرع أدبي، ص:182.

7ــ المرجع نفسه، ص:182.

8ــ المرجع نفسه،ص:182.