مواهب وابداعات للأستاذ: مومني عبد العالي

مرحبا بجميع القراء الأوفياء

الأربعاء، 24 نوفمبر 2010

صحو الكلام ... خير جليس عند الأنام

صحو الكلام...

خير جليس عند الأنام

تعدّ الرواية في العصر الحديث من أكثر الفنون الأدبية رواجًا ونضجًا وتأثيرًا في عقول الناس، فهي عمل إرادي بالدرجة الأولى، يسعى الروائي من خلالها أن يقول شيئا للناس. وقصة أو رواية ( صحو الكلام ) للأستاذ والأديب ( عيسى مومني ) لا تشذ عن هذه القاعدة. فما طبيعة هذا العمل الجديد للأستاذ والأديب ( عيسى مومني )؟! وما هي الجوانب المضيئة فيه والمظلمة يا ترى؟!

وفحوى القصة تتجلى على لسان صاحبها في فكرة واضحة وجلية وتتمثل ــ حسبه ــ في << زوايا مضيئة في حياة طالب علم وأستاذه >> والحق أنني عندما أقرأ هذه القصة لأول مرة ذكرتني بقصة فيلسوفين عظيمين في تاريخ الإنسانية، الأول يوناني ألا وهو الفيلسوف اليوناني الشهيرة ( سقراط ) الذي يجوب شوارع ( أثينا ) ويعلم طلابه ومريده، وينشر عليهم أفكاره حتى أتهم بتضليلهم، فحكم عليه بالإعدام بسبب تعليمه (1). والثاني عربي ألا هو الفيلسوف ابن طفيل في قصته المشهورة ( حي بن يقضان ) حين نرى الفتى في جزيرة معزولة يعيش مع الحيوانات، وتعلم عنها بالفطرة الشيء الكثير، حيث ( كان يرى أنه إذا غمض عينه، أو حجبهما بشيء، لا يبصر شيئا، حتى يزول ذلك العائق. وكذلك كان يرى أنه إذا أدخل أصبعيه في أذنيه وسدهما، لا يسمح شيئا حتى يزول ذلك العارض. وإذا أمسك أنفه بيده، لا يشم من الروائح شيئا حتى يفتح أنفه، ويخلص إلى نتيجة قاطعة إذ يقول: (فاعتقد من أجل ذلك أن جميع ماله من الإدراكات والأفعال قد تكون لها عوائق تعوقها،فإذا أزيلت تلك العوائق عادت الأفعال) (2).

وهو مع ذلك كله يشبه إلى حدّ ما في تأليفه (لصحوة الكلام) الأديب العربي المهجري ( جبران خليل جبران ) في كتابه المشهور( النبي ) حين يريد أن يطرح أفكارا ويعلم الناس والبشرية قاطبة، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: << العلماء ورثة الأنبياء...>>.

والحال أن الرواية العربية في العصر الحديث هي أكثر الفنون الأدبية انتشارا ورواجا من المحيط إلى الخليج، وهي أكثر الفنون نضجا، فقد سلكت أشواطا بعيدة بعيدة جدا، وقطعت مراحل طويلة طويلة كثيرا، ومن هنا ندرك أن للقصة العربية الحديثة خصائص فنية ناضجة، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها أو التفريط فيها تحت أي طائل، ومن أهم وأجل هذه الخصائص: الفكرة، والعمل القصصي من تمهيد، وحوادث، وعقدة، وحل، بالإضافة إلى شخصيات القصة، وكذلك لغة القصة من حيث السرد والحوار، وعلى الروائي أن يراعي دائما قي هذا الجانب مسألتين أساسيتين هما: ملامح الشخصية، وكيف تبدو من خلال النص، وتنوع لغة الحوار لكل شخصية من شخصيات الرواية، فلغة الطفل غير لغة الكهل، ولغة الرجل غير لغة المرأة، ولغة العالم غير لغة غير المتعلم وهكذا...

والعمل الروائي هو عمل إرادي بالدرجة الأولى، وهو بذلك يختلف اختلافا كبيرا عن الشعر، وبخاصة الشعر الغنائي الوجداني. فالروائي هنا يحاسب على كل شاردة وواردة في القصة، صغيرة وكبيرة، فيرسم الشخصيات بدقة متناهية، وكل منها يؤدي دوره بحساب، بالإضافة إلى اللغة والخصائص الأخرى، فهذا العمل يعد نسيجا متشابكا محكما، قويا متينا، فتشرئب أعناق القارئ إلى تلك الأحداث المتلاحقة لتصل به إلى العقدة، فيصاب بهالة من شعور غريب ينتابه، ولا يتوقف عن القراءة حتى يصل إلى نهاية القصة أو الرواية، سواء كانت هذه النهاية مفتوحة أو سعيدة أو حزينة!!

وانظر إلى المتعلم كيف يتأمل في الحياة والكون على خلاف عامة الناس، إذ يقول لطلبته مثلا: << هناك حفاظ للعلم يعملون بقليل منه، ويحملون كثيره دون تدبر فيه أو دراسة عميقة له... >> (4) ويقول أيضا: << حين أنظر إلى الكون أراه منسقا منظما، وحين أنظر إلى أعمال الناس أجد فوضى واضطراب >>(5).

ويقول وهو يتأمل أيضا: << حشرات صغيرة كالبعوضة والذبابة منحها الله تعالى نفس الأجهزة من قلب وتنفس ومعدة تؤدي نفس الوظائف في الكائنات الكبيرة كالأسد والفيل، وشدة التعجب تأتي من جسم صغير كيف يؤدي نفس وظيفة جسم كبير...>>(6).

واعتقد أن الأستاذ الروائي له باع طويلة في قواعد اللغة العربية وآدابها، ويتحكم في ناصيتها بيسر، وهذا الأمر يتجلى من خلال أعماله المطبوعة، ولكن لا أدري ولا أعرف لماذا يوظف التوكيد المعنوي بهذه الطريقة ( نفس الأجهزة ــ نفس الوظائف ــ نفس الوظيفة )

أنظر إليه من جديد كيف غرق في تأملاته التي تكاد أن تكون في أغلبها تأملات فلسفية، ألم يقل عن لسانه: << إنني أتسائل دائما لماذا الثمار الصغيرة كالبرتقال والتفاح والإجاص تعلق بالأشجار في علوها؟ ولماذا الثمرات الكبيرة الحجم كالبطيخ والدلاع تنبسط فوق الأرض؟ ولماذا المواضع العارية في جسم الإنسان تقل فيها شدة الإحساس، والمواضع المغطاة يكون إحساسها أشد؟ >> (7). سبحان من خلق فأبدع!!

وهكذا وقع الروائي في تلك الذاتية التي لا تعكس عواطفه، وهذا لا يعدّ مزية في الرواية قديما وحديثا، فانظر إلى ابن المقفع ــ مثلا ــ حتى لا يقع في مثل هذه الذاتية السلبية عند الكتاب والنقاد على السّواء، قال ابن المقفع في باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين: << قال الفيلسوف...>> فالروائي هنا هو الفيلسوف وليس ابن المقفع.

وقال الجاحظ في قصة معاذة العنبرية: << قال شيخ من البخلاء...>> فالراوي هنا هو هذا الشيخ من البخلاء وليس الجاحظ.

وقال بديع الزمان الهمداني في المقامة البغدادية: << حدثنا عيسى بن هشام، قال...>> فالراوي معروف هنا وليس الكاتب.

فرغم أن كل كاتب أو أديب من هؤلاء وغيرهم لم يتحدث بلسان المتكلم في نصه هذا أو ذاك، إلا أننا نلمح في كل منها عاطفة، ولهذا نفهم سبب إسناد الكلام لغير المتكلم حتى يقال بأن هذا الكاتب أو الأديب تجرد من الذاتية، حيث روى القصة على لسان كذا وكذا، وهذا لا يعني أن القصة بالكامل غارقة في الذاتية، لا ، فأنظر مثلا حين تقول على لسان الأستاذ: << لماذا نهارنا مملّ، وليلنا مضجر طويل؟ >> (8)، فلو نسجت القصة أو الرواية من البداية حتى النهاية بهذ الطريقة لقالوا: أنك تجردت من الذاتية، ونسبت القصة ورويتها على لسان فلان أو فلان.

ما شدّ انتباهي مسألة الإسقاطات المتمثلة خاصة في أحداث الساعة على الماضي وليس العكس من حياة الأستاذ والروائي، أنظر إلى قولك مثلا: << وحاصروا الفلسطينيين في غزة، فعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة. وعادت تركيا إلى الصف الإسلامي... >> (9)، وبعد ذلك تقول عن الماضي: <<حدثه عن انتخابات مكتب الطلبة... ومن يفوز برئاسته، ويضمن المنحة والأسفار والاختصاص، والدراسات العليا... >> (10).

قال الأستاذ الروائي: << فخرجت هائما أبحث عنها...>> (11)، ولعل الضمير هنا في << عنها >> يعود إلى الحكمة التي وردت في قول الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ : << الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها >> فقد وجدتها صراحة عند الإمام مالك ، وابن باديس، ومالك بن نبي، والأمير عبد القادر، والعربي بن مهيدي، والشيخ البشير الإبراهيمي، ومحمد العيد آل خليفة، ومبارك الميلي، ومن أحمد شوقي، ومن العقاد، وعمر المختار، والطاهر وطار، وحكيم يوناني، ويوغرطة، وابن القيم الجوزي، ونزار قباني، ونجيب محفوظ >> ص:82 ــ 87 . والحق أن هذا العمل يعد تجربة، وهي نتيجة ما أكتسبه الإنسان في الحياة لطول عمره أو من النظر إلى الكتب مثل: نصائح البشير الإبراهيمي إلى طلابه ومريده حين يقول: << إن الحياة قسمان: حياة علمية وحياة عملية، وإن الثانية منهما تنبيء على الأولى قوة وضعفا، وإنتاجا وعقما، وإنكم لا تكونون أقوياء في العمل إلا إذا كنتم أقوياء في العلم...>>(12).

وقال الأستاذ الروائي عن التعسف القائم ــ كما يرى ــ في الربط بين اللفظة ومدلولها: << وكيف أن لفظة (الوغى) التي كانت أصل معناها اختلاط الأحداث في الحرب كثرت وتحولت إلى أن أصبحت الحرب (وغى) >> (13). فهذا الأضراب لا يتوقف في حقبة من حقب تاريخ الإنسانية جمعاء، وأنت الذي أشرت إلى ملك فرنسا ( لويس العاشر) فطبع الذهب باسمه، فسمي عندما وعرف باسم (الويزة) وجمعه (الوزير) وأكثر من ذلك، وبسبب هذا التعسف، صار كل شيء جميل عندنا حتى الآن يسمى (الويز) بل أطلقنا على المرأة اسم (الوزيرة) للدلالة على جمالها ومنزلتهاََ!!

والأغرب من هذا كله حسب تقديري:لو سألت جيل الثورة عن (لاكوست) لقال لك فورا دون تردد:لعنة الله عليه!!وإذا قلت ذلك لهذا الجيل فيرد عليك: إنه شيء جميل!! ولا شك أنك تعرف ماذا أعني،وتدرك ماذا أقول!! وعلى الشباب الجزائري الأبي أن يدرك هذه الحقيقة،ويعرف جيدا نوايا العملاء،وأعداء ثورة التحرير المجيدة!! فالفوضى شملت حتى أسماء الأعلام،وخاصة الأعداء منهم!!

ـ قال التلميذ لأستاذه وهو يحاوره: ((أنا كطالب علم...)) فقال له أستاذه: ((دعها تقع....)) (14)، السؤال المطروح هنا: كيف تعرب (الكاف) في قولك (كطالب علم...) وماذا تفيد؟!

- استعمال أسماء الأعلام الكثيرة حتى يخيل إلى القارئ العادي أنه أمام معجم خاص بأسماء الأعلام، فقد حاولت إحصاء عددهم فوجدت صعوبة كبيرة في ذلك،

المهم أنها تتعدى (تسعون) أسما ناهيك عن تكرار بعضها؟!

ـ بالإضافة إلى كثرة استعمال مصطلحات اللغة العربية وآدابها كالمجاز والاستعارة والكناية والمجاز المرسل، وبعض المحسنات البديعية حتى تصل إلى مصطلح وتسمية (التناص) فالقارئ من عامة الناس لا يفقه في هذا المصطلح شيئا، ولا يعرف أنه كان يسمى عند قدماء العرب ((بالسرقات الأدبية)) وبخاصة عند كبار الشعراء من أمثال أبي الطيب المتنبي حين كان في بلاط سيف الدولة الحمداني، وكانت بينهما جفوة بسبب وشاية،في حضرة العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، وألقى عليهم،وعلى سيف الدولة، قصيدته المشهورة في تاريخ الأدب العربي ((واحر قلباه)) وبقية القصة معروفة، فلا داعي لسردها من جديد.

وانظر إلى الشاعر العباسي الكبير بشار بن برد حين يقول له رجل: يا أبى معاذ، إنك لتجيء بالأمر المهجن، تقول مرّة:

إذا ماغضبنا غضبة مضريّة هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما

إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ذرا منبر صلى علينا وسلما

ثمّ تقول:

ربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت

فيقول له بشار: كل شيء في موضعه. وربابة هذه جارة لي، وأنا لا آكل البيض من السوق، فربابة هذه عندها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع هذا البيض وتحضره لي، فكان هذا من قولي لها أحبّ إليها، وأحسن عندها من:

((قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)) (15)

والرواية جديرة بالقراءة من طرف خاصة الناس قبل عامتهم مما اشتملت عليه من معلومات ومعارف ومصطلحات وأسماء لا يدرك أغلبها إلا خاصة الناس، وهذا على خلاف (الأيام) و(حياتي) ونحوهما من السير الذاتية التي يقرأها الخاصة والعامة على السواء!!

فمزيدا من القراءة والمطالعة على الرواية العربية عامة والجزائرية خاصة لتدرك نسيج هذا اللون الأدبي الجميل الذي أصبح يتصدر الرّيادة في جميع مناحي الحياة الأدبية الشعرية منها والنثرية!! بل تتصدر جميع الفنون الأخرى كالموسيقى والنحت والرسم ونحو ذلك!!

فألف ألف مبروك على هذا المولود الجديد الذي سيكون ــ لا محالة- ميلاد لعشرات الروايات حاضرا ومستقبلا بإذن الله. والله الموفق.

الأستاذ: مومني عبد العالي

قالمة في:24 نوفمبر2010

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

بين تجريم الإستعمار وتمجيده

قالمة في 31 أكتوبر 2010 م

بين تجريم الإستعمار وتمجيده



الحديث عن الحرية والعبودية، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والاحتلال والاستقلال مثله كمثل الحديث عن الجنة والنار في الدنيا قبل الآخرة، والعبرة ــ كما يقال ــ بخواتمها، لأن كل نفس بما كسبت رهينة: ــ إما الجنة ــ وإمّا النار. ومن هنا يمكن القول: إن من يمجد الاحتلال في هذا العصر كمن يمجد النار في الدنيا قبل الآخرة، ومن يجرم الإحتلال في هذا الدهر كمن يجرم النار في الدنيا قبل الآخرة لدخول الجنة. فهل يعقل للإنسان على وجه البسيطة أن يسوي بين الخير والشر، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين الحق والباطل، ومن ثم بين الجنة والنار؟!! إن من يفعل ذلك ــ لا شك ــ أنه إنسان غير سويّ؛ لا يقدر عواقب ما يفعل ويقول، وهذا ما نلحظه جليّا في قانون تمجيد الاحتلال، صدر من دولة واحدة في العالم، وعبر التاريخ كله، والانسانية قاطبة، وهي فرنسا العجوز كما قال عنها شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء!! فما هي الدوافع والأسباب يا ترى التي دفعت دولة مثل فرنسا إلى مثل هذا الفعل الذي لم تعرفه البشرية قاطبة من قبل،ولن تعرفه أمّة متحضرة على وجه الأرض إلى يوم الدين!! لماذا؟ لأنها ببساطة تشرّع إلى قانون جديد هو قانون الغاب، فيصبح بذلك القوي يفكر دائما في احتلال الضعيف تحت ذرائع شتى، وخاصة تصدير الحضارة والتطور والتقدم لهذه الأمّة أو تلك، فتتحول بذلك الحياة الإنسانية إلى حروب ومآسٍٍ لا تطاق، وأن كل شعب ضعيف يصبح يفكر إلا في الأنتقام من هذه الأمّة أو تلك التي احتلته في يوم من الأيام، وفي زمن من الأزمان، وعاثت في أرضه فسادًا وخرابًا ودمارًا، وتخلف وانحطاط في جميع مناحي الحياة، فهل يمكن أن نصدق ــ مثلا ــ مزاعم أمريكا وذرائعها لأحتلال العراق الشقيق؟!! وهل وجدوا فعلا أسلحة الدمار الشامل؟!! وهل ما قتل من مدنيين أبرياء بسبب الاحتلال ونتائجه، والفوضى الشيطانية ودوافعها ما قتل في عهد النظام السابق؟؟ ومن له الحق في هذا العالم تغيير الانظمة وتبديلها؟!! وهل تستطيع أمريكا أن تؤكد فعلا أن ما أقترفه النظام السابق فريد من نوعه عن كثير من دول المشرق العربي ومغربه؟! إن ما فعلته فرنسا الظالمة في الجزائر الأبية هو ما فعلته أمريكا في العراق الشقيق؛ مع فارق، كبير أو صغير، في العصر ومتطلباته، والعدوان وأساليبه، والدوافع وأسبابها ونحو ذلك،، فلا غرابة أن نسمع بعد عقود من الزمن من احتلال العراق أن نجد أمريكا الظالمة تصدر قانونا تمجد فيه احتلالها للعراق، وما قدمته من حرية التعبير، والديمقراطية، وخاصة ما قدمته في الفلوجة من حضارة، وسجن أبو غريب من عدالة ونحوهما.

فالجزائري القح يدرك تمام الادراك، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، شيبٌ وشباب أن فرنسا لديها عقدة تجاه الجزائر الأبية، فكيف نشأت هذه العقدة؟ ولماذا؟ ذلك أن فرنسا ضحت بكل مستعمراتها السابقة، وخاصة السنغال وتونس والمغرب لتتفرغ لاحتلال الجزائر، وتبقى تابعة لها إلى الأبد بحكم موقعها من هذه الدول وغيرها، غير أن الرياح ــ في الغالب ــ تجري بما لا تشتهيه السفن كما يقال، فقد انتزعت الجزائر الأبية استقلالها من فرنسا الظالمة بعد كفاح مرير، والذي لم تعترف به فرنسا إلى الآن، ودفع الشعب الجزائري الأبي ثمنا باهضا لم يدفعه شعب على وجه الارض في القرن الماضي إلا الشعب الفتنامي، لذلك أصيبت فرنسا من ذلك اليوم بعقدة الجزائر الأبية، وأصيبت من ذلك الوقت بغصة لم تستطيع التخلص منها إلى اليوم !! لعل من يريح فرنسا من هذه العقدة هي أن تخرج لنا شركة عالمية تنشر أرشيف فرنسا في الجزائر مثلما تفعل مع العراق وأفغانستان ونحوهما ، فلا شك أن العالم سيعرف وجه فرنسا الحقيقي عداوة وقساوة تجاه الشعب الجزائري الأبي عبر تاريخه أكثر بكثير من أمريكا وإسرائيل ونحوهما، فكل الوثائق تحتفظ بها فرنسا إلى الآن، وخاصة السرية منها، ولا تدلنا على قبور رموز الثورة مثل قبر العربي بن امهيدي، والاديب أحمد رضا حوحو وهلم جرّا، فإذا أميط اللثام عن أرشيف فرنسا في الجزائر فستكون أبشع دولة وأمة على وجه الارض لجرائمها ودموتها، أما سجونها الرهيبة في الجزائر فحدث عنها ولا حرج، ناهيك عن النفي الجبري، وخاصة إلى جريدة كاليدونيا الجديدة!!

فعندما أختلطت المفاهيم والمصطلحات والتسميات في هذا القرن الجديد، اختلط كذلك الأمر على كثير من الساسة الفرنسيين، فلم يعد أحد منهم يفرق بين الخير والشر، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين الحق والباطل، وبين الحرية والعبودية، وبين الجميل والقبيح، ومن هنا وجدنا بعضهم يقبح الجميل، ويجمل القبيح حتى قيل:تمجيد الاحتلال!! يا لها من عبارة قبيحة أقبح من ذنب!!

فهل بإمكان الفرنسي القح أن يمجد احتلال بلاده قديما وحديثا؟!! وهل باستطاعته أن يقرّ عن طريق القانون بفضل ألمانيا في التطور والتقدم لفرنسا في جميع مناحي الحياة؟!! أليس من حق ألمانيا الحديثة أن تعمل جاهدة إلى تمجيد احتلالها لفرنسا؟! ألم يكن هذا الاحتلال في الحرب العالمية الثانية سببا في تقدم فرنسا وتطورها في القرن الماضي بعد الحرب العالمية الثانية؟! والدليل على ذلك، أنظر ــ مثلا ــ كيف كانت صناعة فرنسا قبل احتلال ألمانيا لها، وكيف أصبحت بعد ذلك، وخاصة الصناعة الحربية؟! أليست هذه حجة دامغة على زعم فرنسا؟!

أليس من حق ألمانيا أن تعتز وتفتخر لاحتلالها فرنسا العجوز إن أصبح صباحا أو أمسى مساءً؟! ألم تكن بذلك ألمانيا قاطرة فرنسا نحو الرقي والازدهار والتطور والتقدم في كل مناحي الحياة في العصر الحديث؟! ألم يكن هذا الاحتلال الالماني سببا في كل ما وصلت إليه فرنسا من الناحية العلمية والصناعية؟! لِمَ لَمْ تقر فرنسا العجوز بهذه الحقيقة الساطعة سطوع الشمس في النهار؟! هل ما ينسحب على الجزائر الأبية لا ينسحب على فرنسا العجوز ؟! إنه الكيل بمكيالين كما يقال في عصرنا هذا، في وقتنا هذا!! فالانسان العاقل السويّ يرى في كل وقت الظلم ظلمات، وأن الحرية مطلب كل الشعوب والأمم على وجه الأرض ، وهي تفتك مثلما افتكها الشعب الجزائري الأبي، ولا تمنح مجانا، هذه الحرية التي قال عنها أحمد شوقي:

وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدقّ

وقال عنترة بن شداد العبسي:

وإذا حُملت على الكريهة لم أقل بعد الكريهة ليتني لم أفعل

فالإنسان أصبح عند الغرب، عموما وفرنسا خصوصا، رخيصا رخصًا لا يطاق، فشعار ( الدفاع عن النفس ) مثلا: أصبح عندهم لا قيمة ولا معنى أو محتوى له، حيث يخيل إليك أنك في قلب أمريكا، أو بريطانيا، أو فرنسا، وكل دولة تزعم أنها تدافع عن نفسها، وعلى سمائها، وبحرها وأراضيها التي استبيحت من قبل الاعداء، أو هذه الدولة أو تلك، وهم في الحقيقة بعيدون عن بلدانهم ، وخارجون عنها، كبعد الأرض عن السماء!! فأين جغرافية العراق وأفغانستان من جهة، وأمريكا وبريطانيا وفرنسا ونحوهم من جهة أخرى؟! فالمنطق المقلوب يقول ( الدفاع عن النفس ) في حين أن أمريكا هي التي توجد في أرض العراق أو في أفغانستان، وهما يدافعان عن أنفسهما. وقل مثل ذلك عن بريطانيا وفرنسا ونحوهما، يالها من أعاجيب سياسة العصر الحديث والقرن الجديد!!

- فالأرشيف الجزائري في فرنسا، و خاصة ما يتعلق منها بالجرائم، فهي في الحقيقة لا تمثل تاريخ الشعب الجزائري الأبي، بل هي عينات فقط من واقع عاشه و عايشه الشعب الجزائري بلحمه و دمه أثناء الاحتلال، بل هناك مرتزقة استعانت بهم فرنسا، و عاثوا في الأرض فسادا دون حسيب و لا رقيب، و خاصة الجنود السينيغاليين و المغاربة، وما فعلوه من قتل و تخريب و سرقة و تدمير و نحو ذلك في حق الشعب الجزائري الأبي!! على فرنسا العجوز أن تدرك الآن، وتعرف جيدا، أن ساعة الحقيقة قد دقت، و أن الوقت قد حان لكشف المستور، و أن تعتذر دون تردد إلى الشعب الجزائري الأبي، وأن تسعى من الآن لتعويض ما يجب تعويضه مثل تعويض ليبيا لأمريكا و أكثر، ذلك أن جرائم فرنسا العجوز في الجزائر الأبية و صمة عار في جبين تاريخ فرنسا حاضرا و مستقبلا، ومن العار أن تركب فرنسا رأسها من جديد، وتهرب إلى الأمام، وتتنصل من كل مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الجزائري الأبي!!

- للعلم أن ما هو موجود من حقائق في أرشيف الجزائر في فرنسا هو غيض من فيض كما يقال، لأن ما تعرض له الشعب الجزائري الأبي أكثر بكثير مما دونته فرنسا العجوز من خلال الوثائق و الأرشيف، و الذي يسظهر – لا محالة- للوجود إن عاجلا أم آجلا، طوعا أو كرما، وستستفيق فرنسا العجوز مثلما استفاقت أمريكا على جرائمها في العراق و أفغانستان. فلا عجب أن ننام يوما و ننهض على قانون أمريكي يمجد ما وقع في سجن (أبو غريب) و معتقل (غواتنامو) و السجون السرية وما حدث فيها من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ما دامت أمريكا تزعم مثلما تزعم فرنسا العجوز أنها حملت معها مبادئ الحرية و الديمقراطية كما تزعم للشعب العراقي و الأفغاني ونحوهما.

- ومن الإنصاف أن نقول: أن هناك حلقة مفقودة بين سياسة تمجيد الاحتلال و تجريمه، وهذه الحلقة تتمثل أساسا في مصلحة الشعبين: الجزائري و الفرنسي، و أن هذا الصراع المفتعل من قبل فرنسا العجوز لأسباب تاريخية ذكرتها آنفا تجاه الشعب الجزائري في عهد الرئيس الحالي (ساركوزي) لا يخدم الشعبين بأي حال من الأحوال. فالعصر الذي نعيشه هو عصر المصالح، ومن يفرط في مصلحته فقد فرط في شعبه، وهذا ما يفعله (ساركوزي) مع شعبه دون وعي، وهذا المسعى سيؤثر –لا محالة- على مستقبل العلاقات بين البلدين و الشعبين، و بخاصة الأجيال القادمة، فما ذنب هذا الجيل الجديد أو ذاك في البلدين حين يعيش يجتر آلام الماضي، و انسداد آمال المستقبل؟!! إنها سياسة الإحتلال الجديد بكل أشكاله و ألوانه، و أن الجزائر الأبية تعمل جاهدة أن تتخلص منه بكل ما تملك من جهد و طاقة، ولها الحق، كل الحق، في ذلك، لأنها دفعت أكثر من مليون و نصف مليون شهيد لتعيش حرة مستقلة، ناهيك عن جرائم الأحتلال من بداية دخوله إلى غاية خروجه من أرض الشهداء و الأبطال و الزعماء و الثوريين و المصلحين و العلماء!!

- فعلى فرنسا العجوز أن تختار في هذه المرحلة بين أمرين أثنين لا ثالث لهما:- إما أن تعود إلى أصلها و فصلها، و تمجد مبادئها ليل و نهار، و خاصة العدل و الإخاء و المساواة، فتكون بذلك فرنسا حقا، أو أن تتمسك بأوهام لا قيمة لها، و تجري وراء السراب الذي لا يزيل العطش، و تكذب على البشرية جمعاء، أن الإحتلال شيء جميل يمكن تمجيده، و أن الحرية شيء قبيح يمكن القضاء عليها، و خاصة إذا كان حاكم فرنسا من أصول أجنبية مثل (ساركوزي) و أمثاله، وما أكثرهم الآن في فرنسا!! إما أن تعود فرنسا للفرنسيين الأقحاح، أو تتحول إلى بركان جارف يأتي على الأخضر و اليابس، وكل ما يجده في طريقها مثلما كان الحال مع ألمانيا ، ففرنسا الآن رهينة، وعلى الفرنسيين الأقحاح تحريرها من الأيادي الأثمة قبل فوات الأوان من أعدء تاريخها و مبادئها ومثلها العليا التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية!!

على كل الشعوب والأمم أن تسعى لتمجيد الاحتلال دون حياء منها، وأول شعب من هذه الشعوب المعنية بذلك هو شعب فرنسا الذي احتل من قبل ألمانيا، ذلك أن ألمانيا في الحرب العالمية الثانية حملت معها حضارة عظيمة لفرنسا، وتقدم وتطور هائل في كل مناحي الحياة وبخاصية المدينة منها و العسكرية على السواء، أنظر كيف تحولت الصناعة الفرنسية بعد ذلك، وكيف توصلت إلى تلك الدبابات، والطائرات، والسفن، والغواصات، والقنابل، والصواريخ، أليست ألمانيا هي التي طورت فرنسا مدنيا وعسكريا، فالأجدر بفرنسا العجوز أن تمجد الاحتلال الالماني لها أولا، والأحرى بها أن ترسخ هذه الفكرة التي تؤمن بها عند مريدها وطلابها، وتجعل ذلك يدرس في الكتب المدرسية، فتنشىء جيلا كاملا يؤمن بمزايا الاحتلال الالماني لفرنسا، وتوازن وتقارن كيف كانت قبل الاحتلال، وكيف أصبحت بعده؟!! إذا قبلتْ بما تريده من الجزائر الأبية، فهذا هو الحق بعينه، والصواب بذاته، والحقيقة بنفسها!! من واجب فرنسا العجوز أن تعلم أبنائها وتدرسهم فضل ألمانيا عليهم جميعًا، وتمجد ليل نهارهذا الاحتلال، وأن تجعل له يوما وطنيا في فرنسا، فإذا أدركتْ الشعوب والامم، والإنسانية قاطبة، أن تمجيد الاحتلال هو مزية وشرف، فسوف تجعل له

-لا محالة ــ يوما عالميا في الأمم المتحدة شأنه في ذلك الأيام الأخرى التي تحتفل بها الامم بهذه المناسبة أو تلك!! ليت فرنسا العجوز تفعل ذلك، و سأشيد بموقفها الشجاع ليل نهار ما حييت!! ولكن هيهات ثم هيهات فالجريمة تبقى و إلى الأبد جريمة، و الأحتلال احتلالا ما دام الجمال يبقى و إلى الأبد جميلا، و القبح يبقى و إلى الأبد قبيحا، فهل تقبل الإنسانية في يوم من الأيام، وفي زمن من الأزمان أن تمجد القبيح و تذم الجميل، فالإنسان مفطور على الحرية لا العبودية، و الإستقلال لا الإحتلال، ومن هنا يمكن القول:- إن من يمجد الإحتلال، وينوه به، و يثني عليه، ويشيد به، هو إنسان غير سوي على الإطلاق، يخالف البشرية قاطبة و جاجاتها، و الفطرة و نواميسها، و الأنسانية و مقوماتها، ففرنسا العجوز تتهرب من الحق، لأن الحق ليس بجانبها،لذلك بزعجها و يقلقها كثيرا، و يقض مضجعها، فهي تكاد تكون مفطورة على الظلم، وهي لا تستطيع أن تحيا بغيره تجاه الجزائر الأبية، إنها دولة (ساركوزي) لا دولة (ديغول) ولا (بونبيدو) ولا (شيرك)، هؤلاء الفرنسيون الأقحاح الذين كانوا أوفياء لتاريخ فرنسا و حضارتها و ثقاتفتها، و مبادئها الإنسانية الخالدة التي روجت لها كثيرا!!

الأستاذ و الأديب و الناقد

مومني عبد العالي